U3F1ZWV6ZTM5NTkyMDU0NjA5X0FjdGl2YXRpb240NDg1MjMzNTMyNzE=
recent
أخر المواضيع

نموذج للكتابة الإنشائية في الفلسفة للثانية بكالوريا

نموذج للكتابة الإنشائية في الفلسفة للثانية بكالوريا

للإطلاع على النص الذي تم تحليله و مناقشته

تمهيد

قد لا ينتبه البعض منا إلى أن الأفعال الإنسانية تنطلق من مبادئ و قيم فلسفية وتعبر عنها، فهم يقومون بالفعل تلقائيا ودون تفكير في أسسه الفلسفية أو نتائجه العملية القيمية. والحال أن فعل الإنسان يعبر عن الطريقة التي ينظر بها إلى ذاته و وجوده، لا يرتبط بالحرية والضرورة فقط، بل يظهر مدى تقديره لقيمته كشخص. و هذا الإشكال المرتبط بالوضع البشري والقيم الأخلاقية المؤسسة له هو ما يحاول النص معالجته من خلال تحليل فعلي الإنتحار والوعد الكاذب، إذ فيهما تتجلى الأسئلة التي يطرحها إشكال قيمة الشخص، يعتبران هذه القيمة نفعية ويوظفان الشخص كوسيلة، في الوقت الذي يؤكد فيه صاحب النص أن الشخص هدفا في حد ذاته ويطالب أن يعامل كغاية في ذاته. يمكن إذا صياغة إشكال النص من خلال الأسئلة التالية:

  • ما قيمة الشخص؟
  • وما أساسها؟
  • وما علاقتها بالأفعال؟
  • و لماذا يعد فعل الانتحار مثلا نفيا لقيمة الشخص؟
يعرض النص أطروحة مفادها أن فكرة الإنسانية تجعل الشخص غاية وليس وسيلة، وتفرض معاملته بطريقة تليق بإنسانيته. وعليه فقيمة الشخص أخلاقية عليا تستوجب الاحترام والتقدير أثناء الفعل والسلوك. والمقصود بالشخص هنا هو الإنسان الذي يعي ذاته ويستطيع أن يميز بين الخير والشر ويتصرف باستقلالية ودون وصاية من أحد. هذا المعنى تكون الإنسانية هي جوهر الشخص الذي يتعين حفظه و احترامه عبر معاملته كغاية في ذاته وليس كوسيلة. لا يجب أن ينطوي فعلنا على أية إهانة لقيمة الشخص وكرامته، سواء أكان الفعل موجها إلى شخصنا أو إلى شخص الغير.
  يضرب صاحب النص مثالين لتوضيح أطروحته: أولا، مثال الانتحار، أي ذلك القرار الذي يتخذه المرء بأن يضع حدا لحياته هربا من حالة مؤلمة أو وضع لا يطاق أو غيرهما. قد نختلف في تقديرنا لهذا الفعل، ما إذا كان شجاعة أو جبنا، لكننا لن نختلف في أنه احتقار لقيمة الشخص وهدر لكرامته. ذلك أنه يعامل فكرة الإنسانية الكامنة فيه معاملة الوسيلة وليس الغاية، ويستخدم الشخص من أجل بلوغ غاية أخرى غير الشخص نفسه. وثانيا، مثال الوعد الكاذب الذي نعطيه للغير بغرض قضاء حاجة ما أو جلب مكسب. وهو أيضا فعل يحتقر قيمة الغير ولا يحترم إنسانيته، إذ يقوم على استغلال بشع لشخص ما في سبيل غاية أقل قيمة منه، إنه فعل غير أخلاقي إزاء الغير و هدر لكرامة الإنسان.
وبالنتيجة، يؤكد صاحب النص أن الشخص قيمة أخلاقية عليا، تستحق الاحترام والمعاملة كغاية وليس كوسيلة، وأن هذه القيمة مستمدة من الإنسانية، أي من كون الشخص ذاتا عاقلة، قادرة على الوعي بذاتها وإدراك قيمتها الأخلاقية. أما المعاملة باحترام للشخص، فتكون بالنظر إليه كغاية وجعل الإنسان هدفا للفعل، سواء في شخصنا عبر تجنب الأفعال المنحطة، أو في شخص الغير عبر الامتناع عن استغلاله من أجل غاية ما، مهما كانت مردودية هذه الأخيرة بالنسبة لنا. باختصار، إن الإنسان -الشخص- غاية وقيمة سامية، وإن احترامها واجب أخلاقي لا يقبل الاستثناء أو التأجيل.
تكمن قيمة هذه الأطروحة، في اعتقادي، في النتائج المترتبة عن تأسيس قيمة الشخص على إنسانيته، فإذا علمنا أن الإنسانية خاصية لكل البشر، سندرك على الفور أن الناس يملكون جميعهم نفس القيمة ودون استثناء. إن المساواة في القيمة هي أساس المبدأ القانوني القائل بالمساواة في الحق والكرامة، الذي يفتتح الميثاق العالمي لحقوق الإنسان ويؤسس المفهوم الديموقراطي للمجتمع الذي تصبو إليه كل شعوب الأرض.
وقد وجد صياغته الفلسفية الأولى عند الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط الذي قدم التحديد الأخلاقي للشخص. إن ما يميز الشخص، في نظره، عن باقي الكائنات هو امتلاكه للعقل الأخلاقي العملي الذي يجعله غاية في ذاته ويمنحه كرامة توجب المعاملة باحترام. وهذا العقل العملي موجود عند جميع البشر ودون استثناء. وبالتالي ينطبق واجب احترام الشخص عليهم جميعا بغض النظر عن اختلافهم في اللون أو الجنس أو الدين أو غيرها.
غير أننا نجد هذه الأطروحة، إذا نظرنا إليها من زاوية مغايرة، تتبنى من جهة مفهوما فضفاضا للإنسانية وتصورا ميتافيزيقيا ماهويا للإنسان، وتنتج الرفض المطلق لمعاملة الشخص كوسيلة. ومن جهة أخرى تربط الاحترام بالإنسان فقط. فهل يعني ذلك أن احترام غير الإنسان ليس واجبا؟ ألا ترتبط إنسانية الإنسان، ومن ثم قيمته كشخص، بمدى احترامه لغيره من الكائنات أيضا؟ ومن جهة ثانية، ألا يتطلب التعبير عن الإنسانية معاملة الشخص كوسيلة أحيانا، ودون أن يفقد شيئا من قيمته؟
تتطلب الإجابة عن هذه الأسئلة إعادة النظر في مفهوم الإنسانية نفسه وتدقيقه. فالإنسانية ليست ماهية الإنسان وجوهره الذي يملكه منذ اللحظة الأولى لقدومه إلى هذا العالم. إنما هي مشروع وجودي أمامه وأفق يصبو إليه من خلال أفعاله. يكتسب الإنسان إنسانيته وقيمته، وينميهما من خلال انفتاحه على عالمه ومحيطه. يؤسس جورج غوسدورف مثلا قيمة الشخص على الفعل الذي يظهر الإنسانية بشكل ملموس، ويقول إن أشكال الانفتاح والتضامن مع الآخرين هي مصدر مكانة الإنسان. أن أخلاقية الإنسان لا تتحقق بالانعزال والسعي إلى الاكتفاء الذاتي، بل تتحقق بالمشاركة و الانخراط الفاعل في العالم.
إذا فهمنا الإنسانية بهذا المعنى، أمكننا أن نفهم أن الشخص يمكن أن يكون وسيلة دون أن يفقد شيئا من كرامته وقيمته، فالغاية هنا هي خدمة مشروع الإنسانية وتطويره عبر الانفتاح على الآخرين أخذا وعطاء.
يوجد فرق دقيق بين رجل الإطفاء والمنتحر بالنار، كلاهما يلقي بنفسه في النار، لكنهما يفعلان ذلك بغايات تجعل فعل الإطفائي أخلاقي ونبيل لأنه يسعى إلى خدمة الإنسانية، وفعل المنتحر خسيس ومنحط لأنه يعامل الشخص كوسيلة من أجل غاية  تافهة.
يتضح من معالجة إشكال النص والمتعلق بقيمة الشخص وأساسها أن الشخص قيمة أخلاقية عليا وغاية في حد ذاته، وأنه يستمدها من إنسانيته ويعززها بتوجيه أفعاله نحو القيم الكونية. غير أن النتيجة الأهم هي أن هذه القيمة تمثل مبدأ موجها لكل أفعالنا، تجب مراعاه واحترامه سواء في علاقتنا بذاتنا أو في علاقتنا بالغير. فهل نراعي هذا المبدأ في سلوكنا نحن الذين ننتمي إلى لجتمع موسوم بالتخلف؟ وذاك حديث آخر.
_________
تجدر الإشارة الى أن هذه الإجابة تعتبر مجرد محاولة تستوفي الشروط المطلوبة في الكتابة الفلسفية، و لا أبدا يمكن اعتبارها الإجابة الوحيدة الصحيحة، إذ يمكن للتلاميذ أن يقدموا إجابات تستوفي نفس الشروط و غير مطابقة كليا لهذه الإجابة.
الاسمبريد إلكترونيرسالة