U3F1ZWV6ZTM5NTkyMDU0NjA5X0FjdGl2YXRpb240NDg1MjMzNTMyNzE=
recent
أخر المواضيع

الغير L 'autrui

الغير - L' Autrui

 مفهوم الغير في الدلالة اللغوية وجود الغير ملخص درس الغير في الفلسفة معرفة الغير العلاقة مع الغير وجود الغير مواقف الفلاسفة هل وجود الغير ضروري
L' Autrui

من الدلالات الى الاشكالية

الغير، في التمثل المشترك، هم الآخرون من الناس بوجه عام. ولكن تصور هؤلاء الآخرين يختلف تبعا للمرجع الذي يكونون بالقياس إليه آخرين. فهم آخرون بالقياس إلى الذات الفردية (أنا) أو الجماعية (نحن)، أي يختلفون ويتمايزون عنها من حيث الوجود (الجسمي والنفسي) والملكية (المادية والمعنوية) والأفعال (السلوكية والإبداعية). والآخرون هم كذلك أيضا بالقياس إلى الأقارب، بحيث يدل الغير هنا على كل من لا يرتبط بالذات برابطة القرابة أو  العاطفة أو الجوار أو الانتماء الطبقي وما إلى ذلك. وأخيرا يقال الغير (الآخرون) بمعنى ثقافي حضاري أو عرقي، وهو الآخرون الذين لا يشاركون الذات نفس الانتماء الثقافي أو العرقي. فالآخر بالنسبة للثقافة العربية الإسلامية مثلا هو الغرب بثقافته وحضارته المتميزتين.
يظهر من ذلك أن الغير يتحدد في جميع الأحوال بالسلب. فهو من ليس الذات أو الأنا، ومن ليس الأقارب، ومن ليس النحن. وهذا التحديد السلبي للغير يبين أن مدلوله مجرد، إذ لا يشير في الواقع إلى فرد أو جماعة بعينهما يعتبران آخرين، أي مختلفين عن الذات وأقاربها. كما أن تعدد مرجع دلالة الغير يجعل معناها نسبيا متغيرا، بحيث يشمل، حين يتحدد بالقياس الى الذات، كل الآخرين الأقارب والأباعد معا، وينحصر، حين يتحدد بالقياس الى الأقارب بالمعنى الاجتماعي أو الثقافي، في الآخرين الأباعد (الأجانب، الغرباء مثلا) فقط. ولعل هذا هو ما يفسر تنوع المواقف من الغير وتناقضها أحيانا. فنحن نجد، على الأقل، ثلاثة نماذج لهذه المواقف: موقف اللامبالاة وعدم الاكتراث، حين يتخد الغير وجه المجهول النكرة. وموقف المواجهة الرمزية أو الملموسة، حين يأخد الغير وجه المنافس الخصم أو العدو، إذ يحكم العلاقة مع الغير في هذه الحالة مبدأ : «إن لم تكن مثلي أقصيتك أو قتلتك». وأخيرا موقف التآخي حين ينظر للغير بوصفه شبيها للذات ومساويا لها في الجوهر أو الطبيعة البشرية، بحيث تقوم العلاقة مع الغير حينئذ على مبدأ «أحب لغيرك ما تحب لنفسك»، أو ما يماثله.
وهكذا يتبين أن الدلالة المشتركة للغير ملتبسة ومختلطة. وربما يعود ذلك الى الخلط وعدم التمييز بدقة بين معنى الغير ومعنى الآخر، إذ يردان في هذه الدلالة مترادفين وكأن معناهما واحد. لذلك يبدو أن السبيل الأول لتجاوز هذا الخلط واللبس هو الوقوف عند الدلالة المعجمية اللغوية للفظي الغير والآخر.
يقدم «لسان العرب» لابن منظور التحديدين التاليين للغير والآخر: ”غير حرف من حروف المعاني، تكون نعتا، وبمعنى لا.. وقيل غير بمعنى سوى، والجمع أغيار. وهي كلمة يوصف بها ويستثنى.. وتغير الشيء عن حاله تحول.. والغير الإسم من التغير.. وتغايرت الأشياء اختلفت“ و”الآخر بمعنى غير كقولك رجل آخر وثوب آخر“.
يبدو من الدلالة المعجمية العربية للفظي الغير و الآخر أن لهما نفس المعنى وهو: المخالف والمباين والمنفي والمتحول. وأنهما عامان يقالان على كل شيئين مختلفين اختلافا كليا أو جزئيا، مكانيا أو زمانيا.
والغير Autrui في الدلالة المعجمية الفرنسية مشتق مباشرة من الجذر اللاتيني Alter الذي يعني الآخر autre، ويتحدد معنى الغير في هذه الدلالة المعجمية كما يلي : «الغير، هم الآخرون من الناس بوجه عام». (معجم روبير). والآخر هو : «من ليس نفس الشخص، وما ليس نفس الشيء... والمتميز... والمختلف...» (نفس المرجع).
وإذا كان يظهر في هذه الدلالة المعجمية الأخيرة تمييز واضح بين الغير بوصفه الآخر البشري وبين الآخر بوصفه المختلف بوجه عام، بحيث يشكل الغير تخصيصا وتضييقا لمعنى الآخر، على عكس الدلالة العربية التي ترادف بينهما، فإن ارتباط معنى الغير بمعنى الآخر سواء كمرادف له أو كمشتق منه، يجعله ملتبسا ومختلطا يتداخل فيه معنى الإختلاف المطلق مع معنى الإختلاف النوعي (اختلاف نوعين يشتركان في جنس واحد)، بحيث لا يميز بدقة ووضوح بين اختلاف الأنا عن الآخرين من الناس، وبين اختلاف الأشياء والموضوعات، فيختلط الغير أو الآخر البشري بالأشياء والموضوعات الخارجية، إن لم يكن في المستوى العملي ففي المستوى التمثلي على الأقل.
على عكس ذلك يتحدد الغير والآخر في مستوى الدلالة الفلسفية على نحودقيق يسمح بتكوين مفهوم غير ملتبس للغير : «الغير هو آخر الأنا، منظورا إليه ليس بوصفه موضوعا، بل بوصفه أنا أخر... إنه الآخر الذي يتجلى ضمن علاقة تعايش معطاة، ويحيل على إمكانية تمام أو تطابق identification. إنه الأنا الآخر Alterego أنا غيريته متضايفة مع تماهيه أو تطابقه معي »
وبعبارة أو جز: «الغير هو الآخر، الأنا الذي ليس أنا.» (سارتر، الوجود والعدم). في مقابل ذلك يدل الآخر على مفهوم غير قابل للتعريف لأنه «أحد المفاهيم الأساسية والأولى للفكر.» (معجم لالاند)، فلا يتحدد مفهومه إلا بوصفه : «مقابلا اللهو هو، le meme بحيث إن كل شيء هو بالنسبة إلى كل شيء إما مطابق (هوهو) وإمامخالف.» (آرسطو، الميتافيزيقا، مقالة الياء، 3. 1054b).
ينتج من هذه الدلالة الفلسفية أن الغير هو في نفس الوقت آخر وليس آخر، مخالف و مطابق، أناً ليس أناً، أو أنا آخر مثلى. هنا تبرز المفارقة الرئيسية التي تؤسس إشكالية الغير كما ستتحدد فيما بعد. ومنبع هذه الإشكالية يكمن في مفهوم الأنا le moi. ذلك لأن الأنا في معناه الفلسفي هو الذات المفكرة le sujet pensant العارفة لنفسها في مقابل الموضوعات les objets التي تتميز عنها وعن فعل تفكيرها، وخاصة حين تتخذ شكل أشياء choses خارجية مادية محسوسة. ويعني الأنا من الوجهة النفسية الوعي la conscience الذي تملكه الذات عن فرديتها. وإذ يقابل الأنا بهذين المعنيين الموضوع أو الشيء بمعناهما الموضوعي الخارجي المادي، فإنه يحمل دلالة أخلاقية قيمية. ذلك لأن الأنا، إذ هو ذات مفكرة واعية، فهو شخص يتمتع بالإرادة والحرية والتلقائية، على عكس الموضوعات والأشياء التي تخضع لمبدأ العطالة وتفتقر إلى الوعي والحرية والتلقائية، ومن ثم تكون وسائل في يد الذات، بينما يشكل الشخص غاية في ذاته يستدعي الاحترام كما يقول كانط.
من هنا يتبين أن الأنا لا يكون أناً إلا إذا كان حاضرا إزاء ذاته وفي علاقة مباشرة مع ذاته، أي إلا إذا كان وعيا، أو شخصا، فاعلا بإرادة وحرية وتلقائية. وفي هذه الحالة تظهر المفارقة في مفهوم الغير بوصفه أنا آخر غيري، أنا خارجا عني. إذ كيف أعرف حينئذ هذا الأنا
الآخر، إذا كانت معرفة الأنا معرفة مباشرة ؟ ألا يفقد الأنا الآخر، حين أعرفه صفته كأنا ويصير موضوعا مثل بقية الموضوعات والأشياء الخارجية؟ وكيف يمكن أن أتأكد من وجوده كأنا إن كنت لا أعرفه إلا كموضوع ؟ وإذا كان الوجود البشري يقتضي التواصل بين الذوات، فكيف يمكن أن يتحقق هذا التواصل إن كانت معرفة الغير مستحيلة دون تحويله إلى موضوع ؟ ألا يؤدي التواصل مع الغير إلى فقدان الأنا الآخر (الغير) لحريته وتلقائيته أمام الأنا الذي يعرفه بوصفه أخر مختلفا غريبا تقوم بينه وبين الأنا حواجز ووسائط مادية وثقافية ؟ وهل يمكن تكسير هذه الحواجز والتواصل بين الأنا والغير دون تشيء أو استلاب أو عنف؟
<><>

وجود الغير

تعتبر إشكالية الغير إشكالية فلسفية حديثة. تقع بدايتها، بالتحديد، في فلسفة هيجل. ولكن جذورها الفلسفية تعود، من حيث المفاهيم التي صيغت بها (الآخر، الهوهو) إلى الفلسفة اليونانية وتعود من حيث الموقف الفلسفي الذي نشأت ضده، إلى فلسفة الذات أو الأنا عند ديكارت فلقد أنتجت الفلسفة اليونانية مفهومي الآخر والهوهو في إطار فلسفي أونطولوجي (وجودي) عام، على أساس مفهومي الوحدة والكثرة أو الهوية (التطابق) والإختلاف. بحيث إن كل شيء وكل موجود، بما في ذلك الإنسان، يكون بالنسبة إلى ذاته هوهو أي مطابقا لذاته le meme، ويكون بالقياس إلى غيره آخر l'autre أي مختلفا عنه بدرجة من درجات الإختلاف التي تبدأ عند مجرد التمايز (مع التشابه) وتنتهي عند التضاد والتناقض. حيث يتقابل الهوهو والآخر تقابل الوجود والعدم أو الإثبات والنفي، كما يتجلى في معاني الألفاظ المتقابلة بالنفي مثل المادي واللامادي، والحقيقي واللاحقيقي، والإنساني واللاإنساني. ولكن الفلسفة اليونانية لم تطرح مشكلة الغير بوصفه أنا آخر، لأن التقابل الأساسي في هذه الفلسفة كان بين الإنسان والعالم من جهة، وبين اليونان والشعوب الأخرى التي اعتبرها اليونان الآخر الأجنبي والغريب عنها. لذلك لم يتبلور في الفلسفة اليونانية وعي الذات بفرديتها وخصوصيتها في مقابل الغير (الذوات الأخرى)، بشكل منظم ومتكامل. وإنما تبلور في فلسفة ديكارت الذي أسس في بداية العصور الحديثة فلسفة الذاتية في صيغتها العقلانية الأولى.
تقوم فلسفة الذاتية هذه على تجربة الشك ففي فعل الشك يضع الأنا الذي يشك أي يفكر، أو «الأنا أفكر» le cogito، نفسه في مقابل العالم والآخرين، يعيش في تجربة الشك عزلة أونطولوجية مطلقة، وفي استقلال بطولي مطلق، لا يحتاج إلى وساطة العالم والآخرين لمعرفة ذاته والتيقن من وجودها. بل بالعكس، إن وجوده يقيني على نحو مطلق، ما دام في وسعه أن يشك في كل شيء، بحرية وإرادة، إلا في كونه يشك أي يفكر. فالأنا أفكر إذن حقيقة يقينية لا تقبل الشك، بل هي الحقيقة اليقينية الأولى والوحيدة التي تفرض نفسها على الفكر والعقل ببداهة ووضوح. ومن ثم يشكل يقين الأنا أفكر مرجعا ونموذجا وضمانا لكل يقين أخر هكذا يكون وجود الأنا أفكر مستقلا تماما عن وجود الغير أو الذوات الأخرى. ليس ذلك فحسب، بل إن وجود الغير يبدو متوقفا على حكم العقل واستدلاله وتمييزه : ” ...أنظر من النافذة فأشاهد بالمصادفة رجالا يسيرون في الشارع، فلا يفوتني أن أقول عند رؤيتهم إني أرى رجالا بعينهم، مع أني لا أرى من النافذة غير قبعات ومعاطف قد تكون غطاء لآلات صناعية تحركها لوالب، لكني أحكم بأنهم ناس : وإذن فأنا أدرك بمحض مافي ذهني من قوة الحكم ماكنت أحسب أني أراه بعيني“. (ديكارت، التأملات، التأمل الثاني ص. 14).
النتيجة المنطقية لفلسفة الذات والأنا هذه التي دشنها ديكارت، هي القول بوحدانية الذات أو الأنا le solipsisme «أنا وحدوي موجود»). ذلك لأنه إن كان وجود الأنا أفكر هو وحده اليقيني، والضامن ليقين كل وجود أخر: «فكيف أجد في ذاتي أنا الحجج والأدلة على وجود الغير، والحال أن إدراك وعي أخر من طرف وعيي أنا، ينافي معنى الوعي بوصفه حضورا للذات إزاء نفسها؟»
فكل ما أكون متيقنا منه ضمن هذا الموقف الفلسفي هو أنني أنا وحدي موجود. أما وجود الغير أو الأنا الآخر، فهو افتراضي واستدلالي، قابل للشك، محتمل وجائز.
 ضد هذا الموقف الناتج عن الفلسفة الذاتية الديكارتية، شيد هيجل فلسفة للوعي يحتل فيها مفهوم الغير موقعا مركزيا . إن الوعي في فلسفة هيجل ليس كيانا ميتافيزيقيا أو نفسيا باطنيا، مجردا، ثابتا، ساكنا، مطابقا لذاته، يعيش في عزلة مطلقة عن العالم والآخرين. إن الوعي على العكس من ذلك شيء يتكون وينمو، ويظهر ويتجلى انطلاقا من الوجود الطبيعي الحيواني للإنسان. فإذ يشبع الإنسان رغتبه من الطبيعة مباشرة وينحصر إدراكه لذاته في الإحساس المباشر بذاته، لا يكون بعد وعيا لذاته conscience de soi. إنه غارق في الحياة العضوية. ولا يخرج منها ولا يتجاوزها إلا عندما لا يعود يرغب في شيء طبيعي مباشرة، بل يرغب في رغبة أخرى، أي يسعى إلى الإعتراف به من طرف الآخر، ولكن هذا الإعتراف، لا يمنح بشكل سلمي، وإنما ينتزع عبر صراع يخاطر فيه الطرفان معا بحياتهما حتى الموت. ولكن الموت الفعلي لا يحقق هذا الاعتراف وإنما يحققه استسلام أحد الطرفين، بتفضيله للحياة على الموت. وبذلك تنشأ العلاقة الإنسانية الأولى، علاقة السيد بالعبد. وهي العلاقة المولدة للأنا (وعي الذات) والغير (وعي ذات آخر) في آن واحد. فالأنا والآخر ينبثقان في علاقتهما وليس قبلها، ومعنى ذلك أن الأنا لا يكون أنا إلا بالعلاقة مع الغير (أنا آخر).
وجود الغير ضروري إذن لوجود الأنا ومكون له. وليس مجرد وجود جائز كان يمكن أن لا يكون. ”لكي أتوصل إلى حقيقة كيفما كانت حول ذاتي، لا بد لي أن أمر عبر الآخر (الغير). إن الآخر لا غنى عنه لوجودي، كما لا غنى لي عنه في معرفتي النفسي“. (سارتر، الوجودية نزعة إنسانية)، ولكن إن كانت معرفة الأنا لذاته تمر عبر الغير، فهل يعني ذلك أن معرفة الغير ممكنة ؟
<><>

معرفة الغير

المعرفة بوجه عام هي الفعل الذي يدرك الفكر أو العقل بواسطته موضوعا، ويقصد بالموضوع هنا كل ما يتجه إليه النشاط الفكري للذات العارفة، مجردا كان أو ملموسا، فكرة أو شيئا، ولكن موضوع المعرفة يتقابل في جميع الأحوال مع الذات، وخاصة حين يكون شيئا خارجيا ماديا ملموسا منفصلا عن الذات. في هذه الحالة الأخيرة يحمل الموضوع معنى مناقضا لمفهوم الذات. بحيث تعني الذات الأنا الواعي المفكر المتمتع بالإرادة، والقصدية، والحرية، والفعالية، بينما يعني الموضوع شيئا ماديا فاقدا لكل هذه الصفات والخصائص.
فهل الغير (الأنا الآخر) قابل للمعرفة بهذا المعني؟ إن افتراض قابلية الغير للمعرفة، يترتب عنه مباشرة أن الغير موضوع objet. أي أن إخضاع الغير للمعرفة، أو لنشاط الأنا أفكر، يتضمن سلب معاني الذات والأنا والوعي والحرية والإرادة والتلقائية عنه. وعلى ذلك فإن العلاقة المعرفية بين الأنا والغير تحمل تناقضا واستحالة. إنها تفقد الغير مقوماته كوعي وحرية، وتقيم بين الأنا والغير هوة لا تعبر، وعدما يستحيل معه كل تواصل بينهما على قدم المساواة. إن كلا منهما يشيء الآخر ويلاشيه كذات ووعي وحرية، ويجمد إمكانياته ويقتل عفويته وتلقائيته. هذه هي أطروحة سارتر في كتابه «الوجود والعدم». فمع أن سارتر يؤكد، استنادا على هيجل ثم على هوسرل، أن الغير عنصر مكون للأنا، فإنه يعتبر العلاقات المجتمعية بين الأنا والغير تشيئية لهما معا، لأنها قائمة على المعرفة الموضوعية الخارجية ويقدم سارتر أمثلة لذلك، منها مثال النظرة le regard، فحين يكون إنسان ما وحده (طفل مثلا) يتصرف بعفوية وتلقائية وحرية دون قيد، وما أن ينتبه إلى أن أحدا أخر يراقبه وينظر إليه، حتى تتجمد حركاته وأفعاله وتفقد عفويتها وتلقائيتها، ولعل هذا ما تعبر عنه عبارة سارتر الشهيرة : «الجحيم هو الآخرون».
غير أن هذه العلاقة المعرفية الموضوعية التشييئية للغير هي نتيجة للنظر إليه من موقع الأنا أفكر أو العقل ونشاطهما القائم على التجريد والتقسيم أو التجزيئ والحساب والحكم والإستدلال. وهذه الوضعية يمكن تجاوزها عندما يدخل الأنا والغير في علاقة الإعتراف المتبادل بكل منهما في فرديته ووعيه وحريته. (ميرلوبونتي)
ولكن خارجية الغير أو الأنا الآخر، تظل تقيم حاجزا بينه وبين الأنا حتى حين تقوم بينهما علاقة وجدانية عاطفية. فمهما أشارك الغير، صديقي مثلا حزنه أو غضبه، فإنني لا أستطيع أن أتجاوز حدود الحزن لحزنه والغضب لغضبه، ولا أعيش أبدا حزنه وغضبه كما يعيشهما هو، فالغير يتبدى للأنا أولا كجسد يفترض أو وراءه باطنا نفسيا (حياة نفسية) تتوارى فيه المشاعر والأحاسيس والنوايا الموجهة لأفعال الجسد وحركاته وسلوكاته وتصرفاته، بحيث تعتبر النفس الإنسانية وقواها الإحساس، الشعور، التفكير، التعقل، الإرادة
...الخ) هي جوهر الإنسان، وإذا كان الأمر كذلك فإن معرفة الغير في جوهره (حياته النفسية الباطنية) تبدو مستحيلة.
ولكن هل الأنا في حاجة إلى هذا النفود أوالعبور المتسحيل إلى باطن الغير لاستجلاء غوامضه وأسراره ؟ أليس الأنا الآخر (الغير) بالتعريف، شبيها بالأنا ومماثلا له في طبيعته وجوهره؟ ألا يكفي أن ينكفئ الأنا على ذاته، ويقيس أفعال الغير وسلوكاته وتعابيره الظاهرية، على أفعاله وسلوكاته وتعابيره هو، لكي يفهمها ويدرك دلالاتها ومعانيها ؟ إذا دلت الابتسامة أو الرقصة عندي على الفرح والسرور، فلم لا يدل كل ذلك على هذه المشاعر الأخيرة نفسها عند الغير؟ إن هذا الافتراض القائم على فكرة إمكان معرفة الغير عن طريق الإستدلال بالمماثلة Raisonnement par analogie، ينطوي، في هذا المجال (مجال معرفة الغير)، على مفارقة : «إذ أنني عندما أشاهد حركات تعبير مشابهة لحركات التعبير الصادرة عني، فإنما ألتقي من جديد بذاتي أنا وليس بأنا الغير أي ليس بأنا غريب. فحين ينتهي حكم المماثلة إلى إثبات أنا مختلف عن أناي، فإنه يقرر نتيجة خاطئة.» (ماكس شيللر، طبيعة التعاطف وأشكاله)، ثم إن معرفة الأنا لذاته، هذه المعرفة التي تُتخذ مرجعا لمعرفة الغير بالمماثلة، ليست يسيرة كما قد يظن، إذا استندنا على مفهوم اللاشعور كما أسسه التحليل النفسي. فنحن نحمل في أعماقنا حياة نفسية لا شعورية أو لا وعية لا يصل إليها وعينا، يكون الغير أحيانا (الطبيب والمحلل النفسي) وسيطا ضروريا لبلوغها.
ربما يمكن تجاوز كل هذه الصعوبات والمفارقات التي تعترض معرفة الغير، عن طريق تجاوز خلفياتها الفلسفية الميتافيزقية التقليدية (ثنائية الذات والموضوع، ثنائية النفس والجسم ثنائية الظاهر والباطن ... الخ)، واعتبار الغير كلية une totalite أي كلا موحدا لا يقبل التجزئة والإنقسام (إلى نفس وجسم، أو ظاهر وباطن)، لا
يحيل فيه ظاهر مادي (جسدي) أو سطح على باطن أوعمق خفي مستحيل المنال. بل إنه حقيقته وهويته مجسدتان فيه كما يظهر ويتجلى للأنا، حركات التعبير الجسدية لديه حاملة لمعناها ودلالاتها مباشرة كما تظهر. (شيلر)
في سياق تجاوز هذه الثنائيات الميتافيزيقية التي تجعل معرفة الغير معضلة لا حل لها، يجرد جيل دولوز الغير من معناه الفردي المشخص، ويضمنه معنى بنيويا. فالغير في رأي دولوز، ليس فردا مشخصا بعينه، بل هو بنية structure أو نظام العلاقات والتفاعلات بين الأشخاص والأفراد كأغيار. يتجلى هذا النظام في المجال الإدراكي الحسي مثلا. فنحن حين ندرك الأشياء المحيطة بنا لا ندركها كلها ومن جميع جهاتها وجوانبها وباستمرار. وهذا يفترض أن يكون ثمة أخرون يدركون ما لا أدركه من الأشياء وحين لا أدركه، وإلا بدت الأشياء وكأنها تنعدم حين لا أدركها وتعود إلى الوجود حين أدركها مجددا . وإذا كان هذا مستحيلا، فإن الغير إذن يشاركني إدراك الأشياء ويكمل إدراكي لها، وكأنه يوجد كهامش على مجال إدراكي، كمجال ممكن، هذا الممكن الإدراكي بالقياس إلى المدرك الفعلي، هو الذي يحدد مفهوم الغير كبنية . يكون هذا الممكن الإدراكي تخيليا حين يغيب الآخرون من مجال إدراكي، ويكون فعليا في حضور الآخرين، وخاصة في وجه الآخر، فالوجه المفزع أو المخيف يعبر عن ممكن حاضر فيه فعلا كممكن. ولو فرض أن اختفت بنية الغير هذه، لتغير معنى الأشياء
والعالم، واختلفت علاقة الأنا به. هذه الفرضية (فرضية غياب الغير وأثار هذا الغياب) هي التي يختبرها ميشيل تورنييه في إعادة كتابته لقصة حي بن يقظان أوروبنسون كروزو، تحت عنوان، Vendredi ou les limbes du pacifiques وهي التي يقدم دولوز أطروحته حول الغير كبنية انطلاقا من تحليلها.
مهما يكن من شأن معرفة الغير فإن العلاقة مع الغير أغنى وأعقد من أن تختزل إلى علاقة معرفة. فهي في الواقع الفعلي علاقة مركبة : عاطفية، وجدانية، أخلاقية، اقتصادية، سياسية ... الخ كما أن هذه العلاقة تختلف وتتنوع تبعا لأوجه الغير، كما يتجلى ذلك في الكلمات التي تدخل في سجل العلاقة مع الغير مثل الحب والكره، الصداقة والعداوة، الإيثار، والأنانية، التعصب والتسامح ...الخ. إذ أن هذه الأزواج تحيل على وجهين من وجوه الغير : الغير القريب، والغير البعيد، اللذين يمثل الصديق والغريب نموذجين لهما.
<><>

وجهان من وجوه العلاقة مع الغير : الصداقة والغرابة

الصداقة نموذج إيجابي للعلاقة مع الغير «القريب»، ويحمل اسم الصداقة نفسه المعني أو المضمون الذي يشير إليه في واقعها كعلاقة مع الغير القريب. فاسم الصداقة في العربية مشتق من الصدق الذي يعني الحقيقة والقوة والكمال. والصداقة في الواقع هي علاقة حب وود صادقين وخالصين تنشأ بين إنسانين. ولما كان الحب عاطفة تنشأ عن ميل ورغبة في الموضوع أو الشيء المحبوب، والتعلق الشديد بهذا الموضوع لكونه يشبع ذلك الميل وتلك الرغبة، فالسؤال هو أي نوع من الرغبات والميول هي الصداقة ؟ وما الذي يجعل الصديق محبوبا ومرغوبا فيه ؟ وبعبارة أخرى لماذا يرتبط الأنا بالغير «القريب» برباط الصداقة ؟ هل لأنه نافع ومفيد، أم لأنه جميل وحسن، أم لأنه خير وطيب، أم لأضداد هذه الخصال كلها، أي لأنه ضار، قبيح، شرير، وخبيث؟ هل نصادق الصديق لأنه شبيهنا أم لأنه ضدنا ؟ كغاية في ذاته أم كوسيلة ؟
يفحص أفلاطون كل هذه الاحتمالات في محاورة ليزيس Lysis التي خصصها لبحث موضوع الصداقة. والخلاصة التي يبدو أن أفلاطون ينتهي إليها هي أن الصداقة علاقة محبة متبادلة بين الأنا والغير، أساسها حالة وجودية وسط بين الكمال المطلق والنقص المطلق، بين الخير الأقصى والشر الأقصى. لأن من يتصف بالكمال والخير المطلقين يكون في حالة اكتفاء ذاتي ولا يحتاج إلى الغير. ومن يتصف بالشر والنقص المطلقين تنتفي فيه الرغبة في طلب الكمال والخير. ولذلك فإن الصديق هو من يتصف بقدر كاف من الخير والطيبة يدفعه الى طلب خير أو كمال أسمى، وبقدر من النقص الذي لا يحول دون ذلك وكأنه يبحث في الغير عما يكمله.
يتناول أرسطو الصداقة كقيمة أخلاقية ومدنية، ويرتكز في تحليله لها على أشكالها الواقعية. فالصداقة كتجربة معيشة، لا تقوم على الحب بمعناه الأفلاطوني وحده، فهناك على الأقل ثلاثة أنواع للصداقة: صداقة المنفعة، وصداقة المتعة، وصداقة الفضيلة. ويبين أرسطو أن الصنفين الأولين من الصداقة متغيران يتوقفان على المنفعة والمتعة، توجدان بوجودهما وتزولان بزوالهما. لذلك فهما لا تستحقان اسم الصداقة بمعناها الحقيقي. الصداقة الحقة هي صداقة الفضيلة. لأنها تقوم على محبة الخير والجمال لذاته أولا ثم للأصدقاء ثانيا، لذلك تدوم وتبقى. وفي هذا النوع من الصداقة تتحقق المنفعة والمتعة أيضا، ولكن ليس كغايتين بل كنتيجتين للصداقة.
ولذلك فإن هذا النوع نادر، ولكن الصداقة تظل ضرورية ومطلبا للحياة المشتركة، ولو أمكن قيام الصداقة الحقة، صداقة الفضيلة، بين الناس جميعا، لما احتاجوا الى العدالة والقوانين. (أرسطو)
ولكن قيام المجتمع على الفضيلة يفترض أن يكون مؤلف من أقارب فقط، أي مجتمعا صغيرا مثل الأسرة والعشيرة أو دولة المدينة اليونانية، حيث لا يوجد الغريب البعيد l'étranger، أو حتى إن وجد فيه غرباء منعزلون لا يندمجون في جسم المجتمع. فالغير الغريب الحقيقي بالنسبة الى لمثل هذا المجتمع هو المجتمعات الأخرى المخالفة ثقافيا ودينيا أو عرقيا، والتي تعتبر أعداء أو خصوما. أما في المجتمع الكبير والمفتوح على المجتمعات الأخرى، فإن مجال الصداقة تكون دائرية محدودة وسط خضم الأغيار الغرباء.
ينطوي مفهوم الغريب أولا على معاني مجردة هي المجهول، غير المألوف، الغامض، المخيف، المهمش. ويتحدد الغريب غي إطار العلاقات البشرية الملموسة بكونه كل من يتطفل على جماعة بشرية منظمة ومتماسكة أو يرفضها، محدثا في الحالتين، خللا وعدم توازن في الجماعة، فتتجه الجماعة إلى تدميره أو الى إقصائه وتهميشه، لاستعادة توازنها واستقرارها.
غير أن وحدة الجماعة، ليست في الحقيقة سوى مظهر عام. عندما ندقق فيها، ينكشف لنا أن الجماعة تحمل في ذاتها، بحكم اختلافاتها وتناقضاتها الداخلية، غريبها قبل أن يدخل إليها غريب أجنبي. هذا ما تعبر عنه كريستيڨا بقولها: «إن الغريب يسكننا على نحو قريب».
وإذا كان الأمر كذلك فإن الموقف الطبيعي الذي ينبغي أن يتخذ من الغير البعيد (الغريب، الأجنبي، الجنس الآخر، الثقافة الأخى..) ليس هو موقف النبذ والإقصاء والعداء، والحرب، والسجال، بل هو موقف الحوار و التسامح والاحترام، لأنه أنا آخر، كائن بشري مثلنا. ثانيا لأن في الوجود الفردي والمجتمعي والثقافي نقصا، ونداء للغير (مارك جيوم). غير أن الحوار بين (الأنا الفردي والمجتمعي والثقافي) وبين الغير (الفردي والمجتمعي والثقافي) يقتضي أن يحتفظ كل منهما باستقلاله واختلافه وهويته وتميزه، لأن ذوبان الأنا في الغير (الآخر) أو العكس، يجعل الحوار لا معنى له.
____________________________
(*) المقال مقتطف من مقرر الفلسفة، الفكر الاسلامي والفلسفة السنة الثالثة ثانوي الشعبة الأدبية الصادر في عام 1996.
للتبليغ أو النشر على الموقع المرجو مراسلتنا عبر نموذج الاتصال الموجود أسفل الصفحة
تعديل المشاركة
author-img

Philo4u

تعليقات
    ليست هناك تعليقات
    إرسال تعليق
      الاسمبريد إلكترونيرسالة