U3F1ZWV6ZTM5NTkyMDU0NjA5X0FjdGl2YXRpb240NDg1MjMzNTMyNzE=
recent
أخر المواضيع

السينما وتعليمية الفلسفة

السينما وتعليمية الفلسفة

السينما وتعليمية الفلسفة ديداكتيك الفلسفة pdf

مدخل

يُعتبر موضوع الفلسفة والسينما من أهم الدراسات التي عرفها الفكر المعاصر، بحيث تتناول عدة مفاهيم وقضايا تعيد النظر في الفكر الفلسفي. وقد شَكَّلَتْ هذه الدراسات الميدان الجديد للبحث الفلسفي في صورته المعاصرة، خصوصاً مع فلاسفة القرن العشرين. ولابد من التذكير أنَّ ولوج الفلسفة لعالم السينما ليس بغريب مادامت السينما فن استطيقي، والاستطيقا من المباحث الكبرى التي قامت عليها الأنساق الفلسفية خصوصا في الفترة المعاصرة. لذلك، تبلورت لدى مجموعة من الفلاسفة المعاصرون  كهنري برغسون، جيل دولوز، ستانلي كافيل، وآخرون،.. فكرة الربط بين الفلسفة والسينما، بحيث كانت طموحاتهم تأسيس فلسفة للسينما تساهم في إبداع مجموعة من المفاهيم والنظريات الجديدة. فالاشتراك بين الفلسفة والسينما، يمكن أن يخلق ثورة وبناءً دقيقاً للمناهج والأساليب المعرفية والتربوية.
إنًّ لقاء الفلسفة والسينما يَتَمَثَّلُ في كونهما يفكران معاً ويضعان تَصَّوُراً للعالم والذوات والموضوعات،.. وهذا  ما يجعل من العلاقة بينهما ذات الارتباط الوثيق رغم ما تطرح هذه (العلاقة) من مفارقات وتساؤلات حول مدى التباعد أو التقارب بين عالم الفلسفة وعالم والسينما.
يفتح لقاء الفلسفة والسينما آفاقاً غير مألوفة للفكر المعاصر من خلال لقاء المفهوم الفلسفي مع الصورة السينمائية، ويَتَمَثَّلُ لقاؤهما في كونهما يفكران معاً ويضعان تَصَّوُراً لقضايا الوجود. فالفلسفة والسينما ميدانان تتفاعل فيهما مجموعة من الصور والمفاهيم، وبما أنَّ السينما فن يفكر بالصور فمن الضروري أن تستفيد الفلسفة منها لكي تحقق أهدافها المستقبلية.
بين الفلسفة بوصفها صناعة للمفاهيم والسينما كعلم للصور علاقة إبداع، فالأولى تفكر في السينما مفهومياً، والثانية تعبر عن المفهوم من خلال الصورة. هذه العلاقة تعتبر في الحقيقة ضرباً من ضروب الفلسفة أو لربما تَمثُّلٌ للفلسفة ذاتها، لأنَّ السينمائي يفكر على طريقة الفيلسوف ويجسد أفكاره من خلال عرض الصور المتحركة في الفيلم، فالصورة الفيلمية تعتمد وسائل وتقنيات تهم الفلسفة، أي تشكل دافعاً للتفلسف بطرق جديدة، إنها أدوات للتفكير الفلسفي، ومن هذا المنظور  تكون السينما حليفاً مميزاً للتفلسف.
بإمكان الفلسفة أن تضمن لنفسها جديداً ذا معقولية من خلال التفكير في السينما باعتبارها فكر منفتح باستمرار، لأنَّ السينما تُعَدُّ الأساس لأهم التجديدات التي يمكن للفلسفة أن تراهن عليها. فإذا قبلنا أن نسمي كل تفكير في السينما وكل تأسيس لنظرية حول السينما ب(فلسفة السينما) فإنَّ دولوز يرى أنَّ السينما هي التي تمنحنا التفكير وتحدث فينا الصدمة فمثلاً الصورة - الحركة تجبرنا دائماً على التفكير وتدفعنا إليه، ومن هنا فالسينما ذاتها فلسفة وممارسة  للفكر المعبر عنه بالصورة ولا يختلف عن الكتابة.
إنَّ وجود تيمات فلسفية في السينما أمر طبيعي بالقياس إلى الطريقة التي يشتغل بها الفكر السينمائي والمواقف التي ينفتح عليها بقوة التعبير دون التقيد بالمناهج، فالسينما غدت أقرب إلى الفلسفة من حيث المفاهيم والنظريات والأفكار التي تتناولها الأفلام. ونحن نعلم أنَّ السينما أو كل مُؤَسِّسٍ لها كان أمام ضرورة محاورة المفاهيم الفلسفية التي كان تفكيرها يشغل الموضوع الذي تهتم به السينما، لذلك كان من الضروري أن تجادل الفلسفة ما تحتويه السينما من موضوعات ومفاهيم ذات تجذر فلسفي من حيث طبيعتها وخصوصيتها. أما من حيث المنهج فانفتاح الفلسفة على السينما لا يعني بالضرورة إخضاع هذه الاخيرة لمناهج فلسفية، لأنَّ ذلك بحال من الأحوال قد يفقد السينما هويتها الجمالية، وإنما انفتاح يجعل من الفن السابع وسيلة للتفكير تحاول الفلسفة عبرها قدر الإمكان تجاوز الأفق الضيق للمفاهيم والنظريات والبحث في الممكن والمحتمل.
يفيد فتح النشاط السينمائي على الفلسفة هذه الأخيرة في تجديد عدتها المفهومية، خاصة وأنَّ علاقة الإنسان بالعالم أصبحت بوساطة الصورة. لذلك، تجر السينما الفلسفة إلى مناطق غير مفكر فيها، لأنَّ التفكير السينمائي منفتح بقوة على اللامفكر فيه، حيث تصنع (السينما) عالماً مشابهاً لعالمنا، ومهمتها الأساس هي إزالة الحجاب عن العالم الحقيقي والولوج لحقل الممكنات، فمع السينما يتسع حقل الممكنات التي تسمح للفلسفة بأن تقطن في مناطق غير معتادة عليها.
هكذا تكمن علاقة الفلسفة والسينما من خلال الصورة التي تؤطرها السينما وتتحكم فيها، هذا الامساك هو امساك بالعالم وبأبعاده الزمكانية، وبإمكان الفلسفة في هذه الحالة أن تفكر في السينما، فالخصائص مشتركة بينهما بمعنى من المعانى، فإذا كانت مهمة الفلسفة تجاوز أفق الشكوكية والبحث في الطرق الممكنة للتغلب عليها، فإنه بإمكان الفيلم السينمائي أن يساعد الفلسفة في هذه المهمة. لذللك، فالفلسفة في حاجة لإدراك الأفلام كَتَصَّوُرَات أنطولوجية قائمة بذاتها.
إنَّ السينما بشكل من الأشكال يمكن أن تساهم بطريقة أصيلة في  تطور الفلسفة، بفضل استخداماتها التقنية ووسائلها السمعية البصرية، وعلى المرء أن يدرك أنَّ السينما قد تحدث التحول في الروح الفلسفية، والسينما نفسها موجودة بحال من الأحوال في حالة فلسفية. لذلك، فالفيلم ذات خصوصية فلسفية لأنه يصنع الفلسفة ويهدف إلى إعادة توجيه ما ذكرته الفلسفة، فعندما تقول الفلسفة العالم فالسينما تعيد تركيبه.
فالفيلم يُعَلِّمُ التفكير الفلسفي ويُحدثُ ثورة في المفاهيم، إنه بمعنى من المعاني، مَصدَرٌ من مصادر المعرفة ومُساعدٌ للفلسفة، فّاذا كانت الفلسفة تناقش الكثير من القضايا التي تتعلق بالوجود والإنسان وتبحث في فوضى الحقيقة، فإنَّ السينما تشارك الفلسفة هذا الاهتمام وتحاورها وتسلط  الضوء على نقاط تغفلها الفلسفة ذاتها، فدورها كالفلسفة إثارة وطرح تساؤلات تفتح مجالات واسعة للتفكير.
<><>

السينما ودرس الفلسفة

من المعلوم أنَّ كل نظرية نظرية تحمل في جوهرها  جوانب تربوية يمكن تطبيقها بشكل بيداغوجي. هكذا يمكن الاستفادة تربوياً من نظريات الفلاسفة في موضوع الفلسفة والسينما وتطبيقها في الدرس الفلسفي. فالسينما تدخل ضمن المعينات الديداكتيكية التي تعمل على تطوير العملية التربوية، وتكون بالتالي وسيلية مميزة لتعليمية الفلسفة. فكيف يمكن  توظيف السينما في درس الفلسفة؟ وهل يؤثر الفيلم تربوياً ومعرفياً في المتعلم؟
إنَّ تدريس مادة الفلسفة لم يكن ليخلوا يوما من الصعوبات والمعيقات في عملية بناء الدرس وضبطه شكلاً ومضموناً، وإنَّ أكثر ما يعانيه هو مشكل النقل الديداكتيكي الذي يستوجب إعادة النظر في الطرق والأساليب التعليمية التي من شأنها تنمية الفعل الفلسفي. لذلك، يحتاج اليوم الدرس الفلسفي أكثر من أي وقت مضى إلى طرق جديدة في التدريس تواكب متطلبات العصر، و تَتَغَذَّى من التقدم التقني والتكنولوجي بغية إرشاد الدرس الفلسفي ليواكب نسق عصر الصورة الرقمية. وربما أمكننا في هذا الإطار توظيف السينما كقضية محورية تهم التربية على أكثر من صعيد، فالكل يعلم أنَّ عصر القرن الواحد والعشرين هو عصر الصورة التي تؤطر الوضع البشري بعد أن أصبحت الكاميرا جزءًا من حياة الإنسان. وبالتالي أصبح من الضروري إرساء أُسُسٍ ومبادئ حقيقية لخلق جسور بين التربية والسينما، مادامت هذه الأخيرة وسيلة للتواصل الجماهيري. فالممارسة الفصلية هدفها شحذ ذكاء التلاميذ، لذا على مدرس الفلسفة تطوير أساليب التدريس مُطَعِّمًا إِياها بنتائج التقنية لإمكان تجاوز ضيق الأساليب النمطية التي تقف كعائق بين التلاميذ وبين الفلسفة.
من البديهي جداً أنَّ الربط بين السينما والفلسفة في الدرس قائم على رغبة المدرس في إنعاش التعلمات  وتطوير كفايات التلاميذ، فإذا كانت غاية الدرس الفلسفي هي تكوين ذوات قادرة على التفكير والتعلم الذاتي فإنَّ السينما تشارك الفلسفة هذه الغاية.
إنَّ هدفنا هو تبيان مدى أهمية السينما كوسيلة لتعلم الفلسفة، ذلك أنَّ نقل السينما إلى مجال التربية عموماً من شأنه أن ينمي التحصيل المعرفي لدى التلاميذ. وانطلاقاً مما سبق نطرح جملة من التساؤلات التي ستكون محور بحثنا في أفق الخروج بنتيجة أساس وهي أنَّ الدرس الفلسفي اليوم فعلاً يحتاج للسينما كوسيلة لتعلم الفلسفة والتفلسف. فإلى أي حد  يمكن  اعتبار السينما وسيلة لتعليمية الفلسفة؟ وهل يؤدي الفيلم  نفس دور المدرس؟ وكيف تلعب الصورة السينمائية دور الوسيط في عملية تمرير المعارف والقيم؟
سيتعلق حديثنا إذن، بالبحث عن دور السينما في تعليمية الفلسفة في نطاق الدرس أو الممارسة الفصلية، وذلك لأننا نريد أن نترك هذا البحث كرهان لدرس الفلسفة يوجه النظر في  مستقبله في أفق الخروج من الأزمات التي يعيشها حتى يؤدي دوره الوظيفي على أكمل وجه.
إنَّ التواصل داخل درس الفلسفة لا يتحقق بوساطة الخطاب الشفوي فقط، بل يمكن تدعيمه بوسائل تعليمية غير لفظية تسمح بولادة المعنى خارج مركزية اللغة، وأمكننا هنا اللجوء إلى الصورة السينمائية وما تحمله من زخم على مستوى الإشارات والحركات واللقطات، فالسينما وسيط يحمل أفكاراً ومضامين، والتواصل عبرها وبها يتيح إمكانية الاقتراب من وحدة الخطاب الفلسفي المراد تبليغه.
لا ريب أنًّ الهدف من حضور السينما في الدرس الفلسفي هو التأثير في سلوك التلاميذ ليتفاعلوا مع الدرس، ونظراً لوظائف السينما المتعددة فهي تلعب دوراً محورياً في تنشيط العملية التعليمية، فهي قادرة على الزيادة من مستويات الوعي الفلسفي والنقدي لدى التلاميذ. لذلك سنختار لهذا البحث شعار (السينما في خدمة الدرس الفلسفي) لأنَّ الفيلم  كنوع من التسلية وخروج من روتينية الدرس مهم بالنسبة إلى مدرس الفلسفة بما فيه الكفاية كي يتعامل معه كخديعة للتأمل.
 يبدو في ضوء ما سبق أنَّ مدرس الفلسفة حتى يتناول مشكلات التلميذ المعاصر فهو في حاجة لتغيير الوسائل النمطية بأساليب تواكب العصر  حتى تجعل من درس الفلسفة مفعماً بالحياة. في هذا السياق أمكن إدماج السينما ضمن آليات اشتغال المدرس مادامت تحاكي الوجود الاجتماعي كما تفعل الفلسفة، إذ يمكن أن يَكُونَ الفيلم وصوره المتحركة سبيل تعلم الفلسفة وسند التلاميذ في ذلك.
إنَّ هذه الورقة تحاول الإجابة عن سؤال أساسي وهو: كيف يمكن أن تكون السينما وسيلة فعالة لتعلم الفلسفة؟ ومعنى فعالة هنا هو أن تكون وسيلة للتأثير المعرفي والتربوي في التلاميذ.
تدخل السينما  في إطار تنمية الأداءات البيداغوجية والديداكتيكية، والدرس الفلسفي لا يخرج عن هذا الإطار، بحيث أصبح لزاماً على مدرس الفلسفة تنمية ميكانيزمات وآليات اشتغاله لتفادي السقوط في النمطية، لأنَّ التنويع  من طرق التدريس من شأنه أن يحقق الأهداف النواتية التي يَصْبُو إليها درس الفلسفة. والحال أنَّ دمج الأفلام التربوية في درس الفلسفة بات مطلباً يفرضه نسق العصر، وأنَّ من شروط سيرورة الفعل الفلسفي تجعل من غير الممكن فصل الدرس الفلسفي عن علاقته بالتقدم التكنولوجي الذي يشهده العصر. لذلك، فعملية ربط السينما بمادة الفلسفة تساهم في تحقيق التعلمات ونقل المعارف والمضامين الفلسفية.
إنَّ السينما في درس الفلسفة وفي ضوء الثورات الرقمية والتغيرات التاريخية يُعَدُّ في الحقيقة  حراكاً للدرس الفلسفي في طروحاته ومحتوياته وأداءاته. في هذا السياق تأتي السينما كأحد أهم الرؤى التي تَعمَدُ إلى إعادة الاعتبار للخطاب الفلسفي في صورته المدرسية، فهو أكثر من ذلك إحياء لعلاقة التلاميذ بالمادة، علاقتهم بالحياة والآخرين،...هذا المشروع يتجاوز الأفق الضيق للأساليب التي تقف بين التلاميذ وبين الفلسفة والتفلسف عموماً.
لذلك نفترض تحويل حجرة الدرس في لحظة من اللحظات إلى قاعة سينمائية، تحويل يستحضر راهنية الدرس الفلسفي وتداعياته في تشكيل وعي فلسفي جديد يستقي منعطفاته الكبرى من خصوصيات العصر وما يشهده من تغيرات وثورات تقنية وعلمية. هكذا ينطلق درس الفلسفة متأثراً بطعم السينما كدعوة جديدة للفلسفة والتفلسف من خلال التعامل الجدي مع نسق الصورة السينمائية المنفلتة من سلطة اللغة الشفوية والمكتوبة.
صحيح أنَّ تدريس الفلسفة يتمحور حول المفهوم لهدف تعليم مجموعة من الأهداف النواتية به وعبره، ذلك أنَّ الفلسفة هي في الأصل صناعة لبنية مفاهيمية كما أشار إلى ذلك جيل دولوز:
إنَّ الفلسفة هي الحقل المعرفي القائم على دلالة المفاهيم؛ أي الحقل القائم على إبداع المفاهيم
هكذا يكون درس الفلسفة درساً لتعلم المفاهيم، والمفاهيم الفلسفية ليست كباقي المفاهيم، إذ أنَّ لكل فيلسوف مفاهيمه الخاصة التي لا تكتسب دلالتها إلا ضمن النسق الفلسفي الذي أنتجها، فهذا الاختلاف هو الذي جعل من تاريخ الفلسفة تاريخ إنتاج المفاهيم، وما يهمنا من تدريس الفلسفة هو التحكم في المفاهيم كمجال لإنتاج التفكير الفلسفي.
فمدرس الفلسفة ينطلق من وضعيات إشكالية عبارة عن تَمثُّلٍ للحياة اليومية التي تصادف واقع التلاميذ، والتي يندرج ضمنها المفهوم قصد الاشتغال عليه كموضوع درس في أفق بيان دلالته ومعانيه المتعددة والانتقال به وفقاً لمبدأ التدرج من المستوى العامي (التمثلات) إلى المستوى الفلسفي - المنطقي، والكشف عن مجالاته لتحقيق في نهاية المطاف الكفاية المطلوبة، فاعتماد المفاهيم كمكون من مكونات البرامج الرسمية  الجديدة للمادة مهم ذلك بحكم ارتباطها الوثيق بالإنتاج الفلسفي، واعتباراً في الوقت نفسه لما يتيحه الاشتغال عليها من إمكانيات فلسفية وديداكتيكية.
لكن يجب الإشارة إلى مسألة موضوعية وهي أنَّ التدريس بالمفاهيم يطرح إشكالات بيداغوجية أهمها مشكل اللغة لدى التلاميذ وظلالها على الدرس الفلسفي، فضيق لغة المفاهيم في الحقيقة يجعل الدرس في غربة حقيقية، لأنها ما فتئت تشكل عائقاً يقف بين التلاميذ والإبداع الفلسفي، إذ تزيد من الهوة ومسافة الحوار والتفكير، ونحن نعرف جيداً الارتباط الوثيق بين اللغة والفكر، فاللغة كمسكن للوجود بالمعنى الهايدجري للكلمة، لا تتجاوب مع التلاميذ حتى في كتاباتهم. فاللغة أحياناً تصير مبهمة وتخرج عن سياق الدرس، بل وتخلق تمثلات معقدة تفقد المفهوم قيمته وصورته الحقيقية.
<><>

ملازمة المفهوم بالعرض

إنَّ مهمتنا إذن، ستتحدد في البحث عن الحلول التي من شأنها تجاوز ضيق اللغة والمفاهيم حتى يحصل التطابق في المعنى بين ما يقوله المدرس وبين ما يستوعبه التلاميذ، فالسينما في هذا الإطار كحقل مفاهيمي لا يختلف عن الفلسفة سيكون مفيداً بالنسبة لبرامج الفلسفة، بحيث يتم وضع خطط ديداكتيكية تواكب المفهوم. سنقترح هنا ملازمة المفهوم بالعرض، فالعرض السينمائي من شأنه تجاوز العقبات التي تقف أمام التلاميذ في احتكاكهم مع المفاهيم والإشكالات الفلسفية. 
يشتغل العرض السينمائي في جميع الأحوال كخديعة  في إطار مدة زمنية محددة تعمل  على تأطير وتحفيز التلاميذ على التأمل والتمثل والاحساس والتعايش مع سيناريو العرض وصوره المتحركة، لذلك فهو يصنع المفهوم ويردم تلك الهوة الفاصلة بين التلاميذ وبين خطاب الدرس. إذن، فالعرض السينمائي في هذه الحالة يقوم بوظيفة ديداكتيكية تجعل من احتمال الفهم والاستيعاب كبيراً جداً.
يقول ستانلي كوبريك Stanley Kubrick:
مشاهدة فيلم تشبه حلم يقظة، إنها تعمل على أجزاء من ذهننا لا تصل إليه إلا الأحلام أو الدراما، وهناك يمكن أن نستكشف أشياء بدون مسؤولية من الأنا الواعية أو الضمير
 فالفيلم من شأنه أن يوقظ ملكة الفهم لدى التلاميذ وقادر على تنمية حس اليقظة لديهم. من هذا المنطلق سأشرح كيف يمكن للعرض السينمائي أن يعيد تشكيل الفهم الفلسفي لدى التلاميذ، وسوف أنظر في اللغة والمفاهيم الفلسفية ذاتها التي يمكن أن تعاد تجربتها في الأفلام. ولأنَّ المبحث مخصص للقاء بين السينما ودرس الفلسفة سأبين كيف أنَّ التلاميذ يشتركون مع الفيلم في عملية التفكير التي تتيح فرصة أخرى لتجدد المعنى.
يعتمد الفيلم على مفهومي البصر والسمع وهما طريقتين تضع التلاميذ أمام تجربة مفهومية معروضة قادرة على ايقاظ الفكر النائم، لأنَّ الفيلم يُغرقُ حواس التلاميذ على نحو ممتع في أفق تلقي واستقبال معانيه ومحتوياته.
إنَّ العرض السينمائي يساعد مدرس الفلسفة على نقل المفاهيم والمحتويات الفلسفية، ويخرج التلاميذ من الصورة المملة لبعض الدروس التي تقتل الرغبة لديهم والتي تقف أمامهم كعائق نفسي وإبستمولوجي. الشيء الذي يجعلهم خارج الدرس وخارج الفلسفة، فالعرض السينمائي يساعد التلاميذ على المفهمة وبناء المضامين، فإذا كانت الفلسفة على وجه الدقة المعرفة التي تقوم على خلق المفاهيم فإنَّ العرض السينمائي نفسه يقوم بعرض مفاهيم فلسفية على شكل صور متحركة تساعد التلاميذ على التجاوب معها والتفكير من خلالها.
تمنح السينما القدرة على التفكير، وتجعل التلاميذ يتعايشون مع الفيلم لقطة بلقطة كأنهم أمام نص ينقلهم من فقرة إلى أخرى، فالفيلم يجبرهم على التفكير من خلال الصورة - الحركة. لذلك فدور العرض السينمائي لا يقتصر فقط على ايصال المعلومات الفلسفية، بل يكسبهم مهارة التفكير الفلسفي ويعمل في الأساس على تشغيل الإدراك الحسي والذهني. إنه يقوم بالتحديد على حل المشكلات البيداغوجية التي تقف بين التلاميذ وبين الإبداع الفلسفي.
إنَّ ملازمة المفهوم بالعرض السينمائي باستمرار هو إضفاء لصفة الحيوية في الدرس الفلسفي، إذ يعود من خلاله التلاميذ إلى الاحتكاك مع الدرس ومع المادة. فنحن لسنا في حاجة إلى بيان أهمية السينما في التعليم، لأنَّ قيمتها في صورها التي يفهم من خلالها التلاميذ ما لا يفهموه في النص، لذلك ففعالية الصورة السينمائية أكثر من فعالية الكتابة والقراءة، والعرض ما هو إلا مفهوم مدعم بالأدلة والوثائق والبراهين والصور التي تتناول مظاهر هذا المفهوم.
يساهم الفيلم السينمائي في عمليات بناء المفهوم أو الإشكال الفلسفي، حيث يشارك المدرس مهمة التمثيل والإعداد والحوار والمناقشة مع التلاميذ، إذ يجذب حاستي السمع والبصر اللتين تلعبان دوراً مهماً في عملية الاتصال مع الإشكال المحوري للفيلم والتي تجعل من المفهوم المجرد مرئياً من خلال لقطات الفيلم. ولا بد من التنويه أنَّ استخدام الفيلم في الدرس يعتمد على ما يقوم به المدرس من وضع لخطط استراتيجية وانتقاء لنوع الفيلم وموضوعه الذي يتماشى مع إشكال أو إشكالات الدرس.
فقوة الفيلم الفنية والجمالية يمكن أن تدفع التلاميذ إلى التفاعل مع شخصيات وأحداث الفيلم، لذلك نفترض تحويل قاعة الدرس في لحظة من اللحظات إلى قاعة سينمائية مظلمة لشحذ ذكاء التلاميذ كي يتغلبوا على تخوفاتهم من المادة وصعوبة الاحتكاك بها. فالفيلم يستحضر وعي التلاميذ ويثير انتباههم، الشيء الذي يضعهم أمام فرصة جديدة للتفكير في المفهوم أو الإشكال والاحتكاك معه.
باستطاعتنا ونحن في القسم القول بأنَّ التلاميذ أثناء العرض يحسون بذوق المعرفة دون شعور، فالفيلم الذي يشاهده التلاميذ هو شكل متجدد لمفهوم أو لإشكال الدرس، ومن خلال الصور المتحركة سيدركون المفاهيم والإشكالات التي يعالجها الفيلم. من هنا يخلق الفيلم لدى التلاميذ اهتماماً من نوع خاص عكس ما نجده في أسلوب القراءة والكتابة والخطاب، لذا فإنَّ التعبير عن مفاهيم وإشكالات الدرس سينمائياً يمكن أن يكون أميناً ومساعداً في عمليات الفهم والاستيعاب.
أكيد أنَّ إدراج السينما ضمن درس الفلسفة هو من باب الصواب، بحيث يعتبر اختياراً بيداغوجياً سليماً له من المزايا والفضائل الشيء الكثير، إنها مكسب لمستقبل الفلسفة، فالصورة السينمائية تجعل التلاميذ في حوارات ونقاشات وتفسيرات، أي بمعنى من المعاني، تحررهم من جفاف النص ومفاهيمه المجردة والمستعصية على الفهم، وبالتالي فملازمة المفهوم بالعرض يجعل من التلاميذ في حالة من التفاعل مع محتوى الدرس ذاته.
إنّ العرض السينمائي  ما هو  إلا دعم للمفهوم الفلسفي، ومن خلاله سيسترجع التلاميذ المقصد الفلسفي والفعل التعلمي، بحيث يكون الفيلم هو المحدد الجوهري لروح الدرس  حتى لا ندع مكاناً للرتابة الفلسفية. فالعرض السينمائي يساعد التلاميذ على الفهم والتفكير وينمي فيهم الرغبة التي تكون أحياناً غائبة وتقف أمامهم كعائق إبستمولوجي  يجعلهم خارج الدرس وخارج الفلسفة.
فالنظر في واقع الدرس الفلسفي يجعلنا نقر بأنه في حاجة ماسة إلى رؤية نقدية تتجاوز الأساليب والمناهج التقليدية نحو طرق جديدة تسلتهم قوتها ومرجعيتها من خصوصية العصر ومن عالم المعيش وعبر تدفق الحياة. ففتح الدرس الفلسفي على إمكانيات جديدة هو دعوة إلى تجديد روح التفلسف حتى يتسنى للتلاميذ الانخراط  في واقع الفلسفة بشكل وَاعٍ، والاحتكاك مع خصوصيات الخطاب الفلسفي دون مخاوف لهدف تطوير الكفايات وتحقيق النتائج المتوخاة. لذا فواقع الدرس الفلسفي يحتاج إلى أساس متين مستلهم من متغيرات العصر وتجارب التلاميذ المعاشة، ومنه فالسينما في هذا الإطار ليست مجرد تسلية للخروج من روتينية الدرس، بل هي امتداد لهذا الأخير ووعي يضع التلاميذ أمام فرصة جديدة للتفكير طالما أنها (السينما) تعلمنا التأمل والتفكير ولا تختلف عن وظيفة الفلسفة. فالدرس الذي علمنا إياه ديكارت Descartes  (أنا أفكر) تعلمه لنا أيضاً السينما، فهي ليست خارج الفكر، بل تُموقعُ التلاميذ في إطار جمالي يحفزهم على التفكير. وتبعاً لهذا فكما وضعت فلسفة ديكارت قواعد لتوجيه الفكر الهادفة إلى بناء أحكام متينة، فالسينما بدورها لها قواعدها الخاصة التي  تدفع التلاميذ نحو التعايش مع أحداث الفيلم باعتبارها امتداداً لمضامين الدرس، فالتلاميذ يفكرون فلسفياً من الفيلم ومعه لتكون النتيجة لقاء المعنى والمضمون.
ينص منهاج مادة الفلسفة على توظيف الأفلام في درس الفلسفة باعتبارها معينا ديداكتيكياً ضرورياً في التكوين الفلسفي قراءة وكتابة، وبالتالي أمكن الاستعمال المشروع للأفلام شريطة وضعها في سياقها الوظيفي، أي  أن تكون منسجماً مع إشكال أو مفهوم الدرس.
إنَّ فيلم ANGRY MEN   كنموذج 12 يعطي لنا  تصوراً واضحاً عن مجموعة المفاهيم المحورية التي يعالجها درس الفلسفة والتي تخدم في الأساس الكفايات المستهدفة في منهاج مادة الفلسفة، فما يهمنا من الفيلم هو أنه يعطي أو يمنح للتلاميذ فرصة أخرى لرؤية إشكالات الدرس أو المفاهيم الفلسفية بنظرة جديدة، لكي يكتشفوا خباياها من خلال بساطة صور الفيلم وحواره الفريد. لذلك فهذا الفيلم قد يُمَكِّنُ التلاميذ من إعادة بناء المفاهيم واستيعاب مضامينها.
يبحث الفيلم بالدرجة الأولى في إشكال العدل، وهو من الإشكالات المركزية في درس الفلسفة. ويضعنا بالضبط أمام النموذج الأمريكي في التعامل مع قضايا القضاء والعدل والقانون، فالفيلم مصور في المحكمة باعتبارها مؤسسة مستقلة تجسد النموذج القضائي في صورته الديموقراطية. ومعلوم أنَّ القضايا الجنائية في المحاكم الأمريكية يتم التعامل معها بمسؤولية من خلال إشراك هيئة المحلفين  كتركيبة تمثل المجتمع في القضية قصد فصل الحقائق عن الهوى. هكذا تكون  الهيئة أمام مسؤولية  تقرير مصير الشاب المتهم بالقتل، فحسب القاعدة المسلم بها وحسب الشواهد المصرح بها في المحكمة ضد الشاب فالحكم في هذه الحالة سيكون هو الإعدام، وقبل تنفيذ الحكم تجتمع هيئة المحلفين لمناقشة القضية والخروج بقرار يكون بالإجماع. لذا فقد دخلت هذه الهيئة في نقاش عميق بعد أن وضع المحلف الثامن الهيئة في ورطة الشك المعقول للبحث عن الحقيقة بعيداً عن الاحكام المسبقة والجاهزة. وبعد صراع حجاجي بين المحلفين تكون النتيجة تبرئة الشاب لتفتح أمام القانون باب إعادة النظر في القضية. فليس من السهل وضع حياة الإنسان على المحك بقرارات متسرعة ودون دلائل قاطعة.
بخصوص الدرس الفلسفي ينقل الفيلم رسالة أساسية للتلاميذ مفادها أنَّ العدل قضية محورية في المجتمع يجب التعامل معها انطلاقاً من مخرجاتها القانونية والحقوقية والأخلاقية والعقلانية بعيداً عن الهوى والقرارات العشوائية ،لأنَّ العدل يتحول إلى ظلم حينما تغيب عنه أُسس الحق والقانون والعقل.
تكمن جمالية هذا الفيلم في وحدة المكان التي سمحت بتجسيد حِوَارٍ مُحْكَمٍ وأفقي كأننا في قاعة للمناظرة والنقاش. هكذا يعلمنا الفيلم كفاية فلسفية رئيسية وهي ثقافة الحوار، فالحوار شرط من شروط الفلسفة ومظهر من مظاهرها، إذ لا يمكن الحديث عن فلسفة بدون حِوَارٍ يلعب دوراً محورياً في إنتاج المعارف والكشف عن الحقائق. نفس الشيء في الدرس الفلسفي يكون الحوار بين جماعة القسم أفقياً قصد تنمية الحس الفلسفي والتفكير التواصلي والبناء الحجاجي للقضايا والأطروحات الفلسفية.
<><>

ختام

حاصل القول أنَّ مقاربة الفيلم السينمائي في الدرس الفلسفي من المحاولات البيداغوجية التي تؤكد على الاستمرارية والرغبة الأكيدة في إرساء خطاب فلسفي مفعم بالحياة يقوم على أسس بيداغوجية وإبستمولوجية وفنية، ويراهن على بناء روح جديدة للتلاميذ في علاقتهم بالفلسفة، ويتوخى اكساب التلاميذ مهارات وتقنيات التعامل مع  خصوصية الخطاب الفلسفي ضمن وضعيات تعلمية مُتَنَوِّعَة. وانسجاماً كذلك مع رهانات العصر وما يشهده من ثورات رقمية الشيء الذي يفرض على درس الفلسفة والخطاب الفلسفي عموماً فرض إيقاع جديد يتماشى مع نسق العصر لهدف تحقيق الكفايات التي تجعل من التلاميذ قادرين على التكيف مع محيطهم الاجتماعي. وبالتالي  يكون الشريط السينمائي خليطاً بين مجموعة من المؤثرات الجمالية والدلالية فمن جهة (الإضاءة، الصوت، الصور،...) ومن جهة أخرى (الحوار، الخطاب أو الكلام، الشخصيات،...) ففنية الخطاب والحوار المجسد في الفيلم كلها آليات تجعل السينما جاذبة للأذهان والانتباه، بحيث تعرض أمام التلاميذ الخطاب الفلسفي على شكل صور متحركة وعلى شكل لبق تجذبهم للتفاعل مع محتويات الشريط، بل أكثر من ذلك فالسينما تجعل منهم أهلاً لأن يروا الواقع من منظور سينمائي ثم من منظور فلسفي تحليلي نقدي يُكَوِّنُونَ فيها وعبرها مواقفهم الخاصة. إذاً فالشريط السينمائي يكون مربط الفرس في محاولتنا للصلح بين التلاميذ والفلسفة وهي محاولة تجعل من الفلسفة ومن آليات التفلسف البسيطة الزاوية التي ينظر من خلالها التلاميذ إلى واقعهم وذواتهم.

عن الكاتب

جواد أزناك طالب موجز في الفلسفة، وحاصل على إجازة في التربية "الفلسفة ومناهج تدريسها"
تعديل المشاركة
author-img

Philo4u

تعليقات
    ليست هناك تعليقات
    إرسال تعليق
      الاسمبريد إلكترونيرسالة