U3F1ZWV6ZTM5NTkyMDU0NjA5X0FjdGl2YXRpb240NDg1MjMzNTMyNzE=
recent
أخر المواضيع

قراءة في "رسالة في التسامح" للفيلسوف الإنجليزي جون لوك, عبدالمجيد باعكريم

قراءة في رسالة في التسامح

ملخص، تلخيص، أفكار أساسية، قراءة في، "رسالة في التسامح" للفيلسوف الإنجليزي جون لوك, عبدالمجيد باعكريم

تقديم

  • ماهي دواعي الاهتمام بنص يعود الى أربعة قرون خلت؟
نعتقد أننا في عوالمنا العربية الإسلامية نعيش لحظة ذهنية شبيهة الى حد بعيد بما عاشته اوروبا في القرن السابع عشر. مثلما نعيش اليوم ضرورة توضيح جملة من المفاهيم الملتبسة والقيم المختلطة، في أفق إصلاح شامل لمقومات العقل وترسيخ كامل لمقتضيات المعقولية، لحل التناقضات ورفع المفارقات بهدف العيش في توافق تام مع الزمان الفكري والثقافي للعصر. من هنا برز الاهتمام برسالة لوك في التسامح، بالنظر الى أصالة المقاربة وتميزها، ومن أجل الوقوف على ما يمكن أن نفيده من هذا الفكر الرائد، دون إغفال ضرورة إبراز حدوده المفهومية والفلسفية وخصوصيته التاريخية والثقافية، وهو ما يفرض علينا قراءته قراءة نقدية، من جهته، ومن جهتنا الإفادة منه كذلك إفادة نقدية، اعتبارا لخصوصيتنا وتميزنا.

1. السياق الفكري والتاريخي ل"رسالة في التسامح"

بعد انهيار المرجعيات العلمية والفكرية عقب الثورة الكوبرنيكية وفقدان الأرض الكثير من امتيازاتها، اندلعت أزمة تخص مفهوم الإنسان باعتباره ذاتا، ومفهوم العالم باعتباره موضوعا، مما جعل مفهوم الذات يطفو على السطح، ولا نقول يبزغ في الأفق كما هو متداول، للبحث عن موقع جديد له غير الموقع الفيزيائي الذي كان يستمد منه الدلالة، واستبداله بموقع فكري خالص أكثر رحابة، للتعالي على المادة وحدودها الضيقة صوب آفاق أخرى تعيد له لمعانه ونجوميته المفقودة. لذلك جاء مفهوم الذات في صورة تأكيد لقيمته الأنطولوجية والابستمولوجية أكثر منه ظهور بالمعنى الحقيقي للكلمة، لأن التأكيد جاء في واقع الأمر نتيجة التهديد الناجم عن انحدار الذات الى مستوى الموضوع وادعاء هذا الأخير نفس صلاحيتها سواء بسواء ومنازعتها الريادة والسيادة، والمطالبة باقتسام الوظائف والامتيازات. فظهرت ضرورة القيام بعملية إعادة توزيع الأدوار والسلط من جديد.
لقد تمت ترجمة هذا الوضع الطارق من الناحية الدينية بمنازعة الكاثوليكية المتمثلة في الكنيسة الرومانية، المستقرة في الفاتيكان، مركزيتها، من قبل الهوامش أو الأقمار إن صح التعبير، والمستجدة في النزعات القومية الصاعدة وثوقها الى الاستقلال عن المركز. فانهيار المرجعية الوحيدة أو الذات الدينية نجم عنه تفتتها الى مرجعيات وذوات متعددة الألوان والأشكال ومتساوية المشروعية والحقوق، بظهور التعددية الدينية، إثر الانقسام الذي لحق بالكنيسة الكاثوليكية. والجدير بالذكر هنا أن المقصود بالتعددية ليس ذلك الاختلاف الديني الذي عرفته كل الأديان السماوية التي تعايشت فيما بينها بصورة من الصور في التاريخ، حيث العلاقة كانت بين المؤمن والكافر، وإنما المقصود ظاهرة جديدة داخل نفس الديانة أي المسيحية، وهي ظهور شكل من العلاقة بين المسيحي الأرثدوكسي والمرتد، والتي لم تكن بدورها جديدة كل الجدة وإنما الجديد فيها الأبعاد غير المسبوقة التي اتخدتها. واللا تسامح الديني آت من تمسك كل طرف بحقه في تنصيب نفسه مالكا للحقيقة ومرجعها الوحيد والأوحد ذائدا عنها ومن ثمة حقه في تسخير كل امكانات ومكونات المجتمع، ونعت المتخلف عنه بالهرطقة والمروق، وبالتالي التصرف في حياته وحريته وممتلكاته.
هنا ظهرت إشكالية جديدة، ابستمولوجية في أساسها ودينية وسياسية في تفرعاتها، تطرح مسألة الحقيقة الدينية والمشروعية القانونية والسياسية، وتتمثل في معيار الحكم على الأشياء، بعد أن ضاع المرجع الوحيد والثابت الذي كان بمثابة ذات واضحة المعالم ومشروعة الوجود ومعترفة السلطة، من قبيل من يحكم على من؟ ومن يحاكم من؟ وبماذا نحاكم؟ ومن ينفذ الحكم؟ وما إلى ذلك من الإشكاليات التي وجب البث فيها والفصل في أمرها. ما كان لحل هذه المعضلات أن يتم خارج الإطار الإبستيمي الذي سطرته النظرة الجديدة الى العالم كما تبينت عناصرها ومقتضياتها مع النسق الفلكي الكوبرنيكي. فهكذا نجم عن توحيد الأرض والسماء على المستوى الفلكي سلسلة من عمليات التوحيد طالت كل أصقاع الفكر، من السياسة حيث استقرت السلطة وتمركزت في شخص الملك في استقلال عن البابا، لتخطو بعد ذلك خطوة ثانية نحو توحيد أشمل امتد الى اقتسام السلطة مع الشعب، بظهور نظريات العقد الاجتماعي والفكر الديموقراطي، وبارتفاع أصوات تطالب بحقها في الحياة الكريمة والحرة، والمشاركة في بلورة القرارات السياسية والمدنية، وطلب الخلاص الزماني والدنيوي الى جانب الخلاص السماوي والديني سواء بسواء، مرورا عبر الناحية القانونية حيث تم توحيد مفهوم الجريمة والعقاب، بعد أن كان له وجهان، أحدهما روحاني ديني وآخر مادي مدني، من اختصاص سلطتين متباينتين، إحداهما دينية خارجية مادامت تتلقى تعاليمها وتعليماتها من البابا في روما والأخرى زمانية داخلية ولا يتجاوز دورها مستوى تنفيذ الأحكام الصادرة عن الأولى.
إن تفتت وتبعثر المشهد الديني وستحالة تفويض أي طرف للهيمنة على الآخر، بالنظر الى تساوي المشروعيات، طرح ضرورة البحث عن سلطة أخرى غير دينية يوكل إليها أمر الفصل في الأمور، وهي السلطة المدنية المتمثلة في المؤسسة الملكية. فكان ذلك أساس "الفصل" بين الدين والدولة. سنرى أن الأمر كان وصلا وتوحيدا في الحقيقة، خصوصا في انجلترا.
لقد كانت إنجلترا سباقة الى الإصلاح الديني بظهور الكنيسة الأنكليكانية، عقب رفض البابا طلاق الملك هنري VII من كاثرين الأراغونية (1529) على إثرها جاء اعتراف كنيسة إنجلترا بالملك رئيسا للبلاد وللكنيسة الأنكليكانية بدون منازع سنة 1531. بدأ الملك مباشرة إصلاحات من ضمنها تعديلات جذرية في نظام الرهبنة بالسماح لرجال الدين بالزواج، لكن دون أن يفك مع ذلك كل ارتباط مع الكنيسة البابوية، مما أثار حفيظة شريحة هامة من المجتمع التي ظلت متمسكة بالعهد القديم، وهو ما نجم عنه نزاعات وحروب دينية امتدت الى أواخر القرن السابع عشر، شطرت إنجلترا شطرين متناحرين، أحدهما يناصر الإصلاح الديني وينشد التسامح، والآخر ينبذه ويرى فيه سبب فرقة الأمة وتهديدا لسلمها الاجتماعي والسياسي.
في هذا الإطار تندرج رسالة لوك في التسامح الى جانب محاولات أخرى في الجزيرة والقارة الأوروبيتين، لحل هذه الإشكالات، عبر تحديد مجال السلطتين السياسية والدينية الى جانب مجال ممارسة الأفراد والجماعات لحرياتهم. وقد جاء طرح لوك متجاوزا أطروحات معاصريه التي لم تغادر الإطار الأخلاقي والديني للمسألة والتي لم تر الحل إلا في توحيد المعتقد. لقد حاول لوك مقاربة المشكلة بصورة نسقية، انطلاقا من نظريته الميتافيزيقية حول المعرفة والعقل الإنساني ونظريته السياسية حول الدولة والعقد الاجتماعي. فكانت مقاربته متكاملة من خلال طرحه لسؤالين متوازيين ومتمفصلين:
"ماهي حدود التدخل المشروع للقوة السياسية؟ وماهي حدود الحق الذي يملكه الرعايا لادعاء التحلل من إلتزامات القوانين المدنية أو عدم الاعتراف بصلاحيتها بدعوى طابعها الاضطهادي، وذلك حينما يستدعون معتقداتهم وتتخذ بعض أفعالهم بعدا دينيا؟"[1]

2. أسس التسامح عند جون لوك:

يتميز لوك في مقاربته لمفهوم التسامح بتبني زاوية نظر سياسية محض بدل الزاوية الدينية والأخلاقية لمعاصريه، من خلال حدي النزاع حول الاستئثار بالسلطة المطلقة وهما الدولة والكنيسة، وذلك بتحديد أصل وطبيعة ووظيفة وسبب وغاية كل منها.

مفهوم الدولة: الطبيعة والوظيفة.

"الدولة، يقول لوك، هي مجتمع إنساني تأسس من أجل غاية واحدة هي إقامة وحفظ وتنمية مصالحه المدنية (...) وأقصد بالمصالح المدنية الحياة والحرية وصحة البدن، بالإضافة الى حيازة الممتلكات الخارجية من قبيل الأموال والأراضي والبيوت والأثاث وأشياء أخرى من نفس الطبيعة." [2]
هكذا نشأت الدولة والسلطة المدنية لتلبية حاجة الإنسان إلى العيش في أمان. والإخلال بهذا المطلب لأسباب دينية والحالة هذه، هو بمثابة نهاية الدولة والعودة الى الحالة الطبيعية. فالأصل التعاقدي للدولة يجعل هذه الأخيرة مستقلة عن الهواجس الدينية، كما أن الحاكم المدني غير معني بخلاص الناس الأخروي وبكل ما يمت الى الروحانيات بصلة. والنتيجة أن لكل شخص حرية اختيار معتقده والحق في ممارسة شعائره شريطة عدم المس بمصالح الآخرين أو إلحاق الضرر المادي بهم وبالنظام والسلم الاجتماعيين. وهو ما يستدعي التسامح في الأمور العقدية وضرورة تحديد مجال اشتغالها. في هذا الإطار لا يمكن للحاكم المدني أن يقحم نفسه في المسائل الدينية، بفرض عقيدة معينة أو إرغام الناس على تبني أفكار لا يؤمنون بها أو اعتناق دين لا يقتنعون به، لأنه حتى وإن سعى الى ذلك فلن يفلح قط، بل سيكون سببا في تهديد السلم الاجتماعي. وبيان ذلك أن لوك ينطلق من نظرية في العقل والحقيقة الدينية، مفادها أن أفكار الناس ليست ملكا لهم يتصرفون فيها مثلما يتصرفون في أملاكهم المادية، لأنها قائمة على الاقتناع الداخلي. فالمرء لا يملك لأفكاره دفعا، لأن لا علاقة بين العقل والإرادة. وفي هذا يحذو لوك حذو اسبينوزا ضد ديكارت. ثم إن الإله لم يتكلم بوضوح في الأسس العقدية الدوغمائية التي هي من اختصاص الإيمان لا العقل، وإذن من المستحيل الاتفاق بشأنها مما يدل على أنها ليست بذات أهمية عنده ولا مرتبط خلاص الناس بها، بل إن خلاصه متصل بالأفعال والسلوك. لذلك سيكون من الجائر رهن سعادتنا الأبدية بما يوضحه الخطاب الإلهي بما فيه الكفاية ولا تطوله عقولنا المحدودة. فالناس إذن يختلفون حول ما هو ثانوي وغير ضروري للخلاص. لذلك فإرغامهم على حقيقة معينة بالقوة، بالإضافة الى أنه دليل على خطئها لأن الحقيقة تكفي ذاتها بذاتها، لا طائل وراءه، وذلك من جهتين:
  • لا تصدق الأفعال إلا بصدق الطوية والنوايا. فالإكراه في الفكر النقدي والمعتقد يفضي الى تبني ممارسات خارجية أساسها النفاق، والظهور بأفكار مستعارة أصلها الكذب. وإذا كان المقصود هو خلاص الناس الأخروي، فلا يمكن لذلك أن يتم بهذه الصورة لأن مفتاح الخلاص هو الصدق، والصدق ولو في الخطأ قد يقود صاحبه الى الخلاص أكثر مما قد يؤدي اليه الكذب ولو في الحقيقة والإيمان الزائف. هكذا يؤدي الإكراه الى نتائج عكسية من نفاق وخطيئة.
  • لننطلق من عكس القضية ولنفترض افتراضا مستحيلا وهو امكانية حصول الاقتناع الداخلي بالإكراه، هل سيؤدي ذلك الى خلاص الفرد؟ لا، لأنه من بين مختلف الأديان الموجودة، دين واحد هو الدين الحقيقي، لكن كيف السبيل الى معرفته، ومن يضمن أن دين الملك هو هذا الدين الحقيقي. وبناء عليه، تكون حظوظ الأفراد في الخلاص أقوى حينما تترك لهم حرية اختيار معتقداتهم، بإصابة الأكثرية الدين الحقيقي. بل يذهب لوك الى أبعد من ذلك بكثير، فيفترض إمكانية إكراه الناس على اعتناق الدين الحقيقي، فلن ينفعهم ذلك في خلاصهم لأن عنصر الصدق غير متوفر، وهو أهم شرط لذلك. فالحرية هنا ضرورية لأنها قد تضمن خلاص بعض الأفراد في حالة إصابتهم الدين الصحيح، أما الإكراه فيؤدي الى ضياعهم الجماعي في حالة عدم إصابتهم مع تعذر إمكانية تعويضهم عن خسارتهم يوم القيامة، ويصبح الخلاص مسألة حظ فحسب. علاوة على أن كل دين سيرتبط ببلاد معينة.
يقوم التسامح إذن على استحالة تغيير أفكار الناس وقناعتهم الدينية لأن لا سلطة لهم على أفكارهم ولا حرية لهم في اختيارها، ولأن الأفكار لا تعترف بسلطة غير سلطتها ولا تذعن لمنطق غير منطقها، وبالتالي تتضح عدم جدوى إكراه الناس على ما لا يؤمنون به. الإكراه يحمل في طياته تناقضه وأسباب تهافته. لذلك فالوظيفة الوحيدة للسلطة المدنية والسياسية هي الحفاظ على مصالح الناس الدنيوية.
ينطلق لوك من مبدأ عام مفاده أن الدين لا يدخل ضمن اختصاصات الدولة، ولا دخل للسلطة المدنية في حياة الناس الفكرية والروحية ماداموا لا يلحقون الضرر بغيرهم. وعليه، فحرية الفرد مطلوبة والتسامح الديني مفروض. بهذه الطريقة يؤسس لوك التسامح، لأن الاشتراك في العقيدة، لم تكن من بين بنود العقد الاجتماعي. صحيح أن المسيحية قامت على الفصل بين الدين والدولة ذاتها باعتبارها قائمة على أساس تصور لاهوتي وبمقتضى حق إلهي لا طبيعي.
لكن هل التعذر والتحجج بالوازع الديني للتحلل من السلطة المدنية في حالة تعارض النظامين؟ قبل الإجابة على هذا السؤال يحسن بنا التطرق الى طبيعة الكنيسة ومقوماتها.

مفهوم الكنيسة: الطبيعة والوظيفة.

<><>
"أقصد بهذه اللفظة، يقول لوك، مجتمعا من الناس يلتقون ببعضهم عن طواعية لخدمة الإله، في إطار عمومي، من أجل عبادته بالصورة التي يرونها تروقه وتكفل خلاصهم"[3].
وبناء عليه تنحصر سلطة الكنيسة في تقديم النصح والوعظ، ومن حقها أن تذهب الى حد حرم وفصل أحد أعضائها من الانتماء إليها في حالة إخلاله بقواعدها. لكن لا حق لها في سن القوانين والمعاقبة المادية على مخالفيها، ولا أن تفوض السلطة المدنية لتنفيذ أحكامها. وحدها الدولة تمتلك هذا الحق. فسلطة الكنيسة سلطة لسان لا سيف.
إن الفصل بين المؤسستين لا يعني أن لكل أجهزته ومؤسساته ومجالات تدخله بالأساليب نفسها والصلاحيات ذاتها، وكأنهما يقتسمان الفرد الى قسمين ويخضعانه لسلطتين متناقضتين ومتناحرتين. بل إن الفصل هو في حقيقة أمره إعادة تحديد الوظائف وتوزيع المهام عبر بطلان السلطة المادية للكنيسة، وتوحيدها، كما مر بنا، بوضعها كاملة بين أيدي السلطة المدنية في شخص الملك، ليحل القانون والدولة محل الأخلاق والدين، ويسد المواطنون مسد الرعية، وتأخذ المحاكم المدنية مكان محاكم التفتيش. فبعد أن كانت الدولة في خدمة الكنيسة، هاهو لوك يطلب من الكنيسة الدعوة الى طاعة أولياء الأمر لمساعدة الدولة على استتباب النظام وإحلال الأمن.
أساس خطاب التسامح كامن في توحيد سياسي من خلال توحيد مفهوم الحكم بنزع السلطة المادية من المؤسسة الدينية، وتوحيد قانوني عبر توحيد مفهوم الجريمة بعدم تجريم الخارجين عن الكنيسة، ثم توحيد مدني من خلال توحيد مفهوم المواطن.
إن السؤال الحقيقي بخصوص مسألة التسامح هو سؤال سياسي، فلا يتعلق الأمر بمدى صحة هذا الدين أو ذاك بقدرما يتصل بمدى إلحاقه الضرر بالمجتمع والحيلولة دون تحقيق الدولة لمهامها. المتمثلة في حفظ أمن واستقرار المواطنين. مسألة الاعتقاد تخص علاقة الفرد بالإله لا بالحاكم، كما أنه ليس من الضروري أن يكون الإنسان من الأولياء الصالحين ليكون مواطنا صالحا. ثم إن كل الطقوس الموجهة الى الإله مقبولة، شريطة توفر عنصر الصدق في الإيمان والفضيلة في السلوك. نعم قد لا يقبل الجميع أن تكون كل الديانات مؤدية الى الخلاص، لأن كل واحد يعتقد أنه وحده في الطريق الصحيح والآخرون على ضلال، الأساس هو أن لا يكون اختلاف الناس العقدي سببا في ضياع مصالحهم الدنيوية.
نعم، ليس للحاكم المدني حق التدخل في الشؤون الدينية الضرورية للأفراد، أي المس أو التصرف في السنن التي شرعها الإله بصورة واضحة، ولا التدخل فيما ليس ضروريا، على اعتبار أن ذلك يدخل ضمن حريات الناس المشروعة، لكن هل يعني ذلك تجريده من كل السلط؟ تلك هي المشكلة التي على لوك مواجهتها. "ما السبيل الى الاعتراف بحقوق دون هدم الأسس التي تقوم عليها ضرورة طاعة القوانين المدنية؟ ما السبيل الى التوفيق بين ما يفرض الاعتقاد على الفرد اتباعه، دون السماح مع ذلك لهذا أو ذاك باستدعاء وازعه الروحي لرفض الانصياع للقوانين حين اصطدامها بمعتقده؟"[4].

مجال تدخل الدولة في المسائل الدينية وهامش الحرية الفردية

يجب إذن تسطير حدود تدخل السلطة وتحديد مجال حرية الأشخاص. يرى لوك أن الأشياء التي لم يتطرق اليها الإله صراحة هي المجال الوحيد الذي من حق الحاكم المدني ممارسة صلاحياته ضمنها. هاهنا يختلط مرة ثانية ما هو ديني بما هو مدني. لا يرى لوك الأمر كذلك، لأن الجمع بينهما يمليه للعقل وطبيعة الدولة. هناك أعراف قام عليها المجتمع الإنساني، من قبيل الوفاء بالعهد واحترام العهود.. ويمكن للحاكم التدخل فيها إذا كان الإخلال بها يهدد السلم الإجتماعي. فمن الأعراف المسيحية الكاثولوكية عدم الوفاء بالعهد إزاء غير المسيحيين. هذا أمر يهدد السير العادي والسليم للمجتمع ومؤسساته، لذلك يحق للحاكم التدخل في الممارسة الدينية شريطة البرهنة على تأثيرها السيء على النظام العام، ومعاقبة المسؤولين عنها. كما أن هناك ممارسات ذات طابع ديني مثل التضحية بالبشر وتقديمهم قرابين للآلهة، يمنعها الحاكم لا لأسباب دينية (عدم ملاءمتها للإرادة الإلهية) وإنما لأسباب دنيوية (عدم ملاءمتها لنظام المجتمع)، حتى وإن كانت في قلب وصلب الدين واعتبرها أصحابها السبيل الأوحد لخلاصهم.
كما يمكن للحاكم منع بعض الممارسات لا لأنها منافية للقوانين المدنية وإنما للصالح العام مثل التضحية بالماشية ذات البعد الديني إذا كان في ذلك تهديدا لتكاثرها ونمائها. فيكون المنع ظرفيا وبالتالي واقعا على الجانب الدنيوي للمارسة لا جانبها الديني.
فلا حق لأحد في التملص من الشرائع المدنية بدعوى الامتثال للضمير الديني، بل قد يذهب الحاكم الى حد منع بعض الفضائل مثل البر والإحسان إذا وجد فيها سببا في تفشي بعض الرذائل كالتقاعس عن العمل والتواكل والجشع وما إلى ذلك من آفات قد تأتي على سلامة المجتمع وسداد قيمه ومبادئه.
إن كونية القوانين تحتم التسامح مع كل المعتقدات دون استثناء وحتى مع تلك المنعوتة بالوثنية. وإلا فإذا كان الحاكم وثنيا يجب منحه هو الآخر حق منع كل ما يتعارض ومعتقداته، وبالتالي علينا قبول اضطهاد الأباطرة الرومان الوثنيين للمسيحية الأوائل، وبذلك يسقط مبدأ التسامح وتنهار الدولة، ونرتد الى حالة طبيعة حيث منطق القوة سائد. ثم ما القول في حالة المواطنين الذين يدينون بدايانات أخرى غير ديانة ملك البلاد، هل عليهم الامتثال في هذه الحالة لملك آخر في بلاد أخرى بدعوى انتمائه الى نفس عقيدتهم؟ وفق هذا المنطق لن تكون لحاكم البلاد التي يعيشون فيها أدنى سلطة عليهم، وهكذا نكون قد أحللنا دولة داخل دولة وأبحنا تدخل دولة في شؤون أخرى وبهذا ينتهي مفهوم السيادة. لا يجوز التسامح مع الدعاة الى كل ما يمكن أن يخل بالنظام والمجتمع. لذلك فللحاكم صلاحية "سن أي قانون شريطة أن يكون كونيا وينطبق على الجميع بنفس الصورة، بدون عنف وأن يكون ملائما لهناء ومصلحة المجتمع"[5].
ويظل مع ذلك لوك وفيا لمبدأ لا إكراه في الدين، ومتمسكا بحق الإنسان في ممارسة شعائره، حتى وإن خالفت قوانين الدولة، عملا بمبدأ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، لأن الصدق أساس الإيمان، شريطة قبول عقاب السلطة إذا كانت ممارسته تلحق الضرر بمصالح الآخرين[6].

3. تقويم وختم

تجاوز لوك الخطاب الديني والأخلاقي للتسامح نحو خطاب سياسي صرف، انطلاقا من تعريفه لمفهوم الدولة من حيث أصلها وطبيعتها ووظيفتها، ليعلن أن لا إكراه في المعتقد لأن في ذلك تناقض صارخ مع هذا المفهوم. ولكن ما كان له أن يتخطى المستوى السياسي صوب خطاب حقوقي، لم تظهر أسباب وجوده بعد. فهو لم يتسامح مع الغياب المطلق للشعور الديني، أي مع الملحدين، في انسجام مع نظريته السياسية، لأن الانحلال الخلقي وعدم الإيمان بقيم التقوى والفضيلة كما تدعو إليها الأديان، هو في تقديره مفسدة للدين والدنيا.
لكن يظل السؤال الأساس بالنسبة لنا هو، ما الفائدة الممكن رجاؤها من هذا العرض المقتضب لأفكار هذا الفيلسوف، حول الكنيسة والدولة؟
إن الدعوة الى الأخذ بمقومات وأسباب الفصل بين الدين والدنيا على النمط الغربي، كما وقفنا على إرهاصاته، ونقلها الى واقعنا الثقافي والسياسي دون اعتبار الخصوصيات الفكرية والتارخية، لهي دعوة تحمل في ثناياها بذور الفشل لا محالة. والأسباب علمية خالصة. ودونك بيان ذلك.
أولا، قام الدين المسيحي منذ بدايته على أساس الفصل بين الدولة والدين، فالمسيح لم يبشر بجمهورية مسيحية، كما يقول لوك، بل قال لحوارييه إن مملكته هي مملكة السماء، عكس اليهود والمسلمين حيث كان الحكم لديهم ثيوقراطيا، يختلط فيه الديني بالسياسي. كان هذا في البدء.
ثانيا، الدعوة الى التسامح المشروط بفصل السلطتين السياسية والدينية جاء نتيجة انشقاقات داخل الكنيسة الكاثوليكية ذاتها، نجمت عنها حروب وتطاحنات دامت عشرات السنين ومزقت اوروبا اجتماعيا وسياسيا واقتصاديا، لم يكن من سبيل الى إنهائها سوى تبني هذه الصيغة.
ثالثا، ما كان للغرب أن يصل الى هذه النتائج أو بالأحرى لهذه الحلول، لولا الوجود المسبق والثابت والقوي للمؤسسات الدينية والسياسية والقضائية والجامعية وغيرها..
رابعا، عاشت اوروبا نهضة فكرية شاملة وثورة علمية عارمة في القرنين السادس والسابع عشر، لم يكن تطور الفكر السياسي الذي عايناه عبر نظرية لوك في التسامح، إلا وجها من أوجهها وتقليبا من تقليبات أرضها، وما كان ذلك ليحصل لولا اجتماع هذه الشروط. فوراء كل حل حقيقي مشكلة حقيقية، ووراء كل مشكلة حقيقية مقومات نظرية وتحديدات تاريخية واقعية.
خامسا، ليست كل الأمم الغربية أنظمة لائكية، فكثير منها لا يفصل بين الدين والدولة، ومن بينها انجلترا ذاتها. بل هناك دول ثيوقراطية وفي نفس الوقت من صفوة الأمم الرائدة، مثل إسرائيل..
وبعد، أين نحن من كل هذا؟ جميع هذه العناصر غابت في تاريخنا وواقعنا الفكري والديني والسياسي. نقولها بكل صراحة وبصيغة موجزة وجافة. الدين ليس مشكلة. ألا نقول إن الذين يبثون القلاقل في الأصقاع والبلبلة في الأذهان، باسم الدين الاسلامي لم يفهموا الإسلام؟! المشكلة هي أن النخبة المتنورة فشلت فشلا ذريعا في زرع الذهنية العلمية في المجتمع، لقصور واضح في تشخيصها للمشكلة. مشكلتنا كامنة في استشراء الفكر الخرافي والأسطوري والإحيائي في مقاربتنا للعالم وللدين أيضا، طبعا. ديكارت وصحبه فهموا هذا الأمر في القرن السابع عشر، حينما اقتنعوا بأن محاولة تغيير العالم هي محاولة يائسة تتجاوز القدرات البشرية، لذلك غيروا طرقهم، وارتدوا الى الذات لإصلاحها وانتبهوا الى العقل لتصويب اعوجاجاته عبر تقويم المنهج، حتى أضحى العقل ظاهرة فلسفية ما فتئت أن تحولت الى ظاهرة سوسيولوجية. ولم يكن ذلك سوى امتداد وتمديدا للمنهجية الكوبرنيكية، فبعد أن لاحظ كوبرنيكوس فشل الحلول التي قدمت لمشكلة الكواكب المتحيرة، منذ عشرات القرون، فطن الى السبب، وهو أن البحث لم يغادر الموضوع، فارتد الى الذات لعله يعثر على ضالته، فكان له ما أراد، وبذلك أنشأ برديغما جديدا، سار على هديه معاصروه وكل من أتوا بعده، ومن بينهم لوك. فهلا صرنا منهم!

المصادر والمراجع

[1]- Jean-Fabien SPITZ, in LOCK: Lettre sur la tolerance, et autres textes, Traduction par Jean Le CLERC, introduction, bibliogrphie, chronologie et notes par Jean-Fabien SPITZ, GF Flammarion, Paris, 1992, p.18.
[2]- LOCK, op. Cite. P.168.
[3]- Ibid. P.171.
[4]- SPITZ: op. Cite. P. 71.
[5]- LOCK: op.cite. p. 118.
[6]- Ibid. P. 202.
المقال من أعمال الندوة العلمية المنضوية تحت عنوان التسامح وحوار الثقافات، والمنشورة في مجلة وليلي Oualili دفاتر المدرسة العليا للأساتذة بمكناس، مجلة بيداغوجية وثقافية.

مقال رسالة في التسامح

يمكنكم تحميل مقالة الفيلسوف الانجليزي جون لوك، رسالة في التسامح، ترجمة منى أبو سنه، تقديم ومراجعة مراد وهبه بصيغة بي دي اف بالضغط على زر التحميل أسفله، ولا تنسى مشاركة هذه القراءة مع أصدقاء الفلسفة عبر أزرار المشاركة الموجودة أسفل الصفحة 
تعديل المشاركة
author-img

Philo4u

تعليقات
    ليست هناك تعليقات
    إرسال تعليق
      الاسمبريد إلكترونيرسالة