U3F1ZWV6ZTM5NTkyMDU0NjA5X0FjdGl2YXRpb240NDg1MjMzNTMyNzE=
recent
أخر المواضيع

التربية والتعليم من وجهة نظر ابن رشد، بقلم الطالبة الباحثة: فاطمة الزهراء وقدي

التربية والتعليم من وجهة نظر ابن رشد 

 فاطمة الزهراء وقدي, التربية والتعليم من وجهة نظر ابن رشد الطالبة الباحثة

تقديم

سلك ابن رشد خلال مساره الفكري منهجا تربويا، كانت الغاية الأساسية من ورائه النهوض بالمجتمعات، وبناء مدينة فاضلة، والإسهام في تجديد الفكر الفلسفي الإسلامي، وتحقيق الكمال الإنساني، ولعل هذا ما تعكسه مؤلفاته الفلسفية (فصل المقال، تهافت التهافت...) التي اكتست طابعا تربويا تعليميا. إن موضوع التربية هذا، لم يتم تناوله فقط من قبل الفيلسوف القرطبي ابن رشد، أو الفلاسفة المسلمين، بل إن هذا الموضوع قديم قدم الحضارات الإنسانية، حيث تمت معالجته من قبل العديد من الفلاسفة والمفكرين اليونان، الذين أولوا عناية خاصة بموضوع التربية، واعتبروها أساس نجاح الدولة الفاضلة وتقدمها.
فهذا الفيلسوف اليوناني أفلاطون قد رأى في التربية عماد تأسيس الدولة العادلة، مؤكدا "أن الهدف الأسمى من التربية هو خدمة الدولة، لذلك فإنه يدعو إلى سيطرة الدولة التامة على العملية التربوية حتى يتم إعداد الأشخاص وتربيتهم بصورة تتناسب مع قدراتهم الفردية "1، لذلك دعا إلى ضرورة تربية الفرد، تربية تسهم في تهذيب النفس وتحقيق سعادة الإنسان.
أما أرسطو، فيرى أن الغاية الأساسية من التربية "تكمن في إعداد الفرد ليصل إلى درجة الكمال الإنساني، ويعتقد أن الدولة هي التي تكون بيدها جميع الأمور التربوية"2. بمعنى آخر إن التربية التي يدعو إليها أرسطو، هي تربية مرتبطة بالفرد الإنساني وتهدف إلى تحقيق غاياته وكماله الأقصى. ومن منظور فلسفي إسلامي، تسعى التربية إلى الارتقاء بالفرد المسلم نحو تحقيق القيم الأخلاقية، كالعدل والمساواة واكتساب المعارف التي تساعد على الوصول إلى الحقيقة، وكذا البحث عن مصادر الخير والمساهمة في تطور وتقدم المجتمع المسلم.
لقد كان هاجس ابن رشد بناء مجتمع عادل، و"التربیة عنده تحدد وظیفتها في حفظ الناشئة في بدنها حفظا طبیا، وفي عقلها ولسانها حفظا تربویا أخلاقیا. والفیلسوف المربي، حتى یوفق في ذلك، یجب أن یكون مطلعا على العلوم النظریة ومكتسبا حنكة الدهر. هذه الحنكة هي التي تدل على التمرس بقواعد الصناعة الفلسفیة التربویة وتخرج عمله النظري إلى التطبیق والتجربة"3. معنى ذلك، أن التربية التي كان يدعو إليها ابن رشد، هي تربية قائمة على العقل والممارسة الفلسفية، تربية يهدف من خلالها إلى ترسيخ روح التفكير العقلاني الحر في الأجيال، والتدرج في تحصيل العلوم، بدءا بتعلم المنطق وانتهاء بتعلم علم الطبيعة وما بعد الطبيعة.
إذن، "ولرصد غایة التربیة رجع ابن رشد إلى الإرث الفلسفي الیوناني، وهو به خبیر. بل وأكثر من ذلك فقد كان ابن رشد یرى أن شروط تأسیس مدینة فاضلة كما حددها أفلاطون یمكن إقامتها في بلاد المغرب، لأن بلاد المغرب في عصره توفرت على الشروط نفسها التي كانت تتوفر في بلاد الیونان زمن أفلاطون. ولعل عقیدة المهدي هي التي أغرته بذلك، فالمهدي بن تومرت، زعیم الدولة الموحدیة شرح عقیدته في كتابه أعز ما یطلب، ووضع العلم في مقدمة الدولة، وكذلك فعل أفلاطون في جمهوریته، الأمر الذي أغرى ابن رشد وجعله ینظر لشروط المجتمع الفاضل في ظل الدولة الموحدیة، ویتخذ مرجعیته من آثار أفلاطون"4.
ويمكن أن نكشف عن الأبعاد التربوية للفلسفة الرشدية في العديد من المؤلفات الفلسفية لابن رشد منها:
  • 1كتاب "تهافت التهافت الذي رد فیه على كتاب الغزالي تهافت الفلاسفة. وكان رد ابن رشد من أهم ما صنف في الرد على الغزالي وإبطال ما زعمه. بحیث إنه أثار الجدل الواسع بین الفقهاء والحاكمین والخاصة والعامة؛ لأن ابن رشد رام في كتابه الدفاع عن الفلسفة وبیان أهمیتها في الإصلاح السیاسي والاجتماعي التربوي.
  • 2)أيضا نجده في كتاب جوامع سیاسة أفلاطون، وهو ترجمة وتلخیص وشرح لكتاب جمهوریة أفلاطون، قد تعرض لشروط المجتمع الفاضل وسبل بنائه ووقایته وطرق سیاسته وتدبیره، ووظائف أفراده.
  • 3)وفي فصل المقال فیما بین الحكمة والشریعة من الاتصال، فصل القول عن قضایا مهمة تحتل مكانة في فلسفة التربیة. منها واقعیة المعرفة، ووجوب النظر العقلي والفلسفة وغیرها. كما تعرض لحكم تعلم الفلسفة، وحكم علوم غیر المسلمین، والقدرة البشریة على الإحاطة بالعلوم، والتأویل، وتصنیف العلوم، رادا في فصول كثیرة على كلام الغزالي  وآرائه.
  • 4)شرح أرجوزة ابن سینا في الطب، حیث عمد ابن رشد إلى الحدیث عن نمو الجنین والعنایة به ومیلاده وتدبیره ورعایة نموه النفسي والبدني"5. في نفس السياق التربوي أيضا، دعا ابن رشد إلى ضرورة تعليم المرأة، مبرزا بذلك حقها العادل والمشروع في التعليم و التعلم، شأنها في ذلك شأن نظيرها الرجل، فهي مساوية له في الحقوق بل وفي جميع الممارسات سواء الثقافية أو السياسية أو الاجتماعية أو غيرها. وهو ما عبر عنه ابن رشد  بقوله: "يصح أن تقوم النساء في المدينة بأعمال هي من جنس الأعمال التي يقوم بها الرجال، أو بعينها، فيكون من بينهن محاربات وفيلسوفات وحاكمات وغير هذا وإن كان الأمر عكس هذا فإن النساء إنما يكن في المدينة مهيآت من أجل أفعال لا يتهيأ لها الرجال في الغالب، كالإنجاب وتربية الأطفال وما شابه ذلك"6.
من خلال هذا القول ، يظهر لنا أن ابن رشد قد انتصر للمرأة، معلنا بذلك عن جملة من الحقوق الأساسية التي تتمتع بها إلى جانب نظيرها الرجل، وبهذا يكون الفيلسوف القرطبي قد فتح أمام المرأة آفاق جديدة في عالم الريادة. فإلى جانب تربية الأطفال والاهتمام بالأسرة، يحق للمرأة حسب ابن رشد أن تتنافس مع الرجل في مناصب عديدة كالسلطة السياسية، واقتحام عالم التفكير العقلاني والخوض في إشكالاته، وبهذا يمكننا الحديث مع ابن رشد عن المرأة الفيلسوفة، المرأة السياسية، المرأة الأم، المرأة الفنانة والموسيقية الكبيرة، المرأة التي تشارك وتساوي الرجال في كل الفضائل.
لكن مقابل ذلك، قد يكون ابن رشد قد فتح الباب لانتقادات عديدة سيتعرض لها من قبل الفقهاء الذين أقصوا المرأة من دائرة تولي المناصب والانخراط في الشأن السياسي وغيرها من الوظائف الأخرى، لأنها في نظرهم ناقصة عقل ودين. إلا أنه وبالرغم من ذلك، فقد "شكل موقف ابن رشد من المرأة استثناء في زمن المحافظة والتزمت الفقھي، إنه موقف جريء لم یسبق أن دافع عنه أحد من أھل زمانه، بحیث نادى إلى اعتبار المرأة حاكمة وفیلسوفة مساویة للرجل في العدید من القدرات والكفاءات بل ومنافسة له في بعض الصنائع التي تبرع فیھا دون الرجال"7، مثبتا بذلك حقها في التربية والتعليم.
هكذا إذن اتخذ ابن رشد من التربية أحد أهم الطرق الناجعة في التعليم والتعلم، مؤكدا بذلك على ضرورة الربط بين الفكر والعمل، وهو من الشروط الضرورية، بل والأساسية في تعلم الطفل وإكسابه آليات التفكير النقدي والبناء. لقد رفض ابن رشد أشكال التعليم القائمة على "القهر والتخويف كوسيلة للضبط والتحكم، والتي لن توصل المتعلم إلى التفكير العقلاني الذي يسمح له برؤية ظواهر الأشياء وباطنها وأسبابها، ورفض تعليم الخرافات للأطفال لآثارها السيئة على التكوين النفسي الذي يلازمه طيلة حياته وقد يعرقل عملية إدماجه في المجتمع ويمنعه من أداء دوره لأن هذه القصص الوهمية تنمي الخوف في قلوبهم وباعتبار أن الواقع هو المرجع الأساسي للمعارف والعلوم"8.فتربية الأطفال على الابتعاد عن اللذات الحسية عند ابن رشد، يعتبر ذو قيمة كبيرة في المساعدة على ترسيخ الفضائل والقيم الأخلاقية والتربية السليمة وتحقيق الكمال الإنساني، وإنشاء جيل صالح يتسم بحسن إعمال الضمير الأخلاقي.
إذن لقد رأى ابن رشد في التربية "وسیلة الشریعة في ضبط مسار الناس وتوجیھھم، وتبصیرھم بما یضمن سلامتھم، ویحقق كمالھم.  وتزوید العقل المسلم بمعاییر قادرة على التمییز بین الخبیث والطیب، وتشكیل معالم الشخصیة المسلمة مع الحرص على تحدید الھویة الإسلامیة وإبراز معالمھا وحمایتھا من الذوبان في خضم الاحتكاك والتفاعل مع الثقافات الأخرى... وھو یؤمن إیمانا مطلقا بضرورة الانفتاح على الآخر، وعدم الانعزال والتقوقع على الذات مما یعتبر انحرافا في السلوك تترتب علیه مساوئ وأضرار اجتماعیة كثیرة"9.
لذلك، نجده قد صب جل اهتمامه على التربية الأخلاقية والدينية، معتبرا إياها أساس تحقيق الفضيلة، داعيا بذلك إلى ضرورة الاهتداء بمبادئ الشريعة، أي الرجوع إلى الأصلين القرآن والسنة التي تعلم الناس طرق التفكير السليم وبالتالي تجديد العقل وتحقيق سعادة الإنسان. إن الشعار الذي يدافع عنه ابن رشد "في منهجه التربوي هو تعليم كيفية التفكير، قبل تعلم المضمون، وهذا المنهج العقلاني في التفكير، يكتسب من علوم المنطق، لأنها عبارة عن جملة مناهج وطرق تتنزل من النظر منزلة الآلات من العمل. وبهذا يجب النظر إلى المنطق، كمنهج في التفكير، وآلة تعصم الإنسان من الوقوع في الخطأ، وهذه الآلة ليست غاية في ذاتها، فهي مجرد وسائل، حتى عند القدماء الذين اخترعوها، وقد استعملوها في فحص الموجودات ودراستها، وتوصلوا إلى نتائج هذه العلوم التي تركوها لنا"10. لا مندوحة من القول إذن، أن الغاية القصوى من التربية عند ابن رشد هي التأسيس لمجتمع تسوده قيم العدالة والحرية والأخلاق، مجتمع يدعو إلى الانفتاح على الثقافات الأخرى وتبادل المعارف وهو ما يسهم بشكل إيجابي في بناء مجتمع فاضل. ولتحقيق هذا الأمر على الفيلسوف في نظر ابن رشد أن يتعلم صناعة المنطق، لأنها الآلية التي تمكنه من نهج طريق الصواب، وبالتالي جعله قادرا على تدبير شؤون الدولة - المدينة وتحقيق الكمال الأقصى . 
فالمنطق عند ابن رشد "يعتبر أول مادة معرفیة یجب أن تلقن لحاكم المدینة؛ إن حاكم المدینة شخص مر بمراحل تربویة مدروسة یأخذ فیھا ما ھو ضروري من مواد علمیة ویتدرب فیھا ویتأھل لقیادة دفة المدینة نحو الفضائل العادلة. بھذا یكون ابن رشد في منھجه التربوي، قد انتصر لأرسطو على خلاف أفلاطون؛ الذي یرى ضرورة البدء بعلم العدد. فجعل ابن رشد من المنطق، أول العلوم في سلم التعلم، مفسرا ھذا الخلاف بینه وبین أفلاطون، بدلیل أن صناعة المنطق لم تكن قد وجدت بعد في زمن أفلاطون"11.
إذن من خلال تناولنا لنموذج ابن رشد، يتضح لنا أن خطابه التربوي يهدف بالأساس إلى النهوض بالفرد وإعداده للمساهمة في تحقيق التغيير الاجتماعي، وزرع قيم العدالة والفضيلة والخير والحكمة الفلسفية في نفوس الناشئة.
كما نجد أنه قد دافع عن المرأة، التي تعرضت للكثير من القهر والتهميش والإقصاء، وأجاز لها أن تنافس الرجال في مختلف المجالات: السياسية ، الاقتصادية، الفكرية، وبهذا يكون قد أعلن وبشكل واضح عن ضرورة المساواة بين الجنسين. وبهذا المعنى، وحسب التصور الفلسفي الإسلامي، يظهر جليا أن ابن رشد نظر إلى المرأة نظرة مساواة في جميع الحقوق، معيدا الاعتبار لذاتها. فالإسلام قد كرم المرأة ورفع من شأنها، وهذا ما يحتاجه بعض الفلاسفة الذين ينتقدونها كالفيلسوف شوبنهاور الذي اعتبرها السبب في شقاء الإنسان، يحتاج إلى مصالحة مع ذاته ليكتشف أن المرأة لا تعد منبعا للشرور بل هي تعتبر من الرائدات في شتى المجالات، تساهم إلى جانب الرجل في النهوض بالمجتمعات وتقوم بتكوين جيل جديد من الأطفال الذين تلقوا أحسن الدروس التربوية.
إذن، وبهذه التوجيهات التربوية، يبدو أن ابن رشد قد انتصر للتربية، معتبرا إياها أساس بناء الدولة العادلة والمدينة الفاضلة، فهي القنطرة أو الجسر الذي يعبر عبره الفرد نحو تحقيق كماله الأقصى، وترسخ في النفوس حب الحكمة والشجاعة والذوق الجميل.

قائمة المراجع

  1. حسن الحياري، أصول التربية في ضوء المدارس الفكرية إسلاميا وفكريا، دار الأمل للتوزيع والنشر، د ط، 1993، ص: 233. 
  2. المرجع نفسه، ص: 234.
  3. الزبير مهداد، البعد التربوي لآراء ابن رشد الفلسفية، ص: 5. https://www.aljabriabed.net/n62_10mahdad.(2).htm
  4. 4) الزبير مهداد، البعد التربوي لآراء ابن رشد الفلسفية ، ص: 5. https://www.aljabriabed.net/n62_10mahdad.(2).htm
  5. المرجع نفسه، ص: 2.
  6. ابن رشد، الضروري في السياسة: مختصر كتاب السياسة لأفلاطون، ترجمة أحمد شحلان، مركز دراسات الوحدة العربية، ط1، بيروت، سبتمبر 1998، ص: 124.
  7. ماهر الشيال، المنهج التربوي عند ابن رشد، نافذة الوعي - البديل، أبريل 2017، ص:3.
  8. نور علوان، القيم التربوية من وجهة نظر الفلسفة الإسلامية، نون بوست، 2019، ص: 4.
  9. ماهر الشيال، المنهج التربوي عند ابن رشد، نافذة الوعي - البديل، أبريل 2017، ص: 3.
  10. الأعرج بوجمعة، أسس البیداغوجیا الرشدیة: أھمیة صناعة المنطق في التربیة، الحوار المتمدن، العدد 4755، 2015،  ص:2.
  11. الأعرج بوجمعة - أسس البیداغوجیا الرشدیة: أھمیة صناعة المنطق في التربیة، الحوار المتمدن، العدد 4755، 2015،  ص:1.
الاسمبريد إلكترونيرسالة